لِمَ يُحْكَم بِكُفْرِ سابّ الصحابة ولَمْ يُحْكَم ب
 
السؤال :

لِمَ يُحْكَم بِكُفْرِ سابّ الصحابة ولَمْ يُحْكَم بِكُفْرِ من قتلهم ؟ السلام عليكم بداية أسطر هنا شهادة الحب في الله لشيخنا الفاضل "عبدالرحمن السحيم " فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء وأعطاه من فضل الدنيا والآخرة خير العطاء .. لدي شبهة وردت علي في بحثي في الرد على أحد الكتاب الشيعة في أن الخوارج لا يكفرون وهم لا يسبون الصحابة فحسب ، بل ويقتلوهم . والسؤال يقول : إذا كان سب الصحابة كفرا والعياذ بالله ، فمن الأولى الحكم بالكفر لفرقة الخوارج ( وأعني بها الفرقة التي قتلت علي رضي الله عنه ) . وهنا أنقل لفضيلتكم بعض ما جاء في مقال لكم في موقع صيد الخاطر بعنوان ( والله لا يغفر الله لفلان ) : (( بل أرأيت الرجل يتقدّم إليه الخاطب الذي لا يُرتضى دينه ولا خلقه ، بل قد يكون زانيا ، فيُزوّجه ويُعرض عن حكم الله في هذه المسالة { الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } فهل يُحكم بكفره وخروجه عن ملّة الإسلام ؟ الجواب : لا ، بل يُحكم بأنه وقع في الشرك الأصغر ، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر ، كما يُقرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . هل تستطيع أن تحكم لهؤلاء بالكفر ثم بالخلود في النار ؟! وهذا على سبيل المثال ، وعلى هذا فـ قِس . وخذ على سبيل المثال : الحجاج بن يوسف الثقفي ، وما اشتُهر عنه من سفك الدماء بل سفَكَ دماء بعض الصحابة والعلماء ، كابن الزبير رضي الله عنه وسعيد بن جبير رحمه الله . وهذه القضية قضية الدماء كان يعدل فيها عن شرع الله إلى رأيه وجبروته وبطشه . والصحابة مُتوافرون ، ومع ذلك لم يَحكموا بكفره ، وإن سمّوه ظالما ، أو قالوا عنه : خبيثاً ، ونحو ذلك ، إلا أنهم لم يُكفِّروه . ليُعلم أنه ليس كل من فعل الكفر يُعتبر كافرا ولا كل من فعل بدعة يُعتبر مُبتدعاً )) . وفي نهاية حديث فضيلتكم .. (( ومما ينبغي أن يُعلم أنني هنا لا أتحدث عن الكافر الأصلي إذ قد فُرغ منه . لأن من شُبهات القوم قولهم : ( مَن لم يُكفر الكافر فهو كافر ) وهذا لا خلاف فيه بالنسبة للكافر الأصلي ، أما المرتد ومن طرأ عليه الكفر فقد علمت ما فيه من الخلاف . ولذا جرى الخلاف بين علماء السنة في تكفير الخوارج رغم ما ورد فيهم من النصوص الصريحة الصحيحة . ولذا يقول العلماء : لا ينبغي الخلاف في تكفير الرافضة ووُجد من العلماء قديما وحديثا من يتوقف في تكفير الرافضة ، وإن كان لا ينبغي الخلاف في تكفيرهم ! فهل من يتوقف في تكفير أمثال هؤلاء يُعتبر كافراً ؟ الجواب : لا . )) فهنا أتت علي الشبهة والحيرة ، في حين تأكد كفر ساب الصحابة ، والخلاف و عدم تأكد كفر من قتلهم ؟ ومالفرق بين ذنب عبدالرحمن بن ملجم في قتل رابع الخلفاء علي بن أبي طالب وبين الحجاج في قتل حفظة كتاب الله وسنة نبيه ؟ ولست هنا والله حتى أحصل على فتوى بكفر فلان أو فلان والعياذ بالله فاني أعلم تماما أن من حملوا لواء التكفير سيحملون على عاتقهم لواءا ثقيلا يوم القيامة إلا ما كان بحق . والله نسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل . وفي انتظار قولكم المبارك ..

الجواب :

أحسن الله إليك

وبارك الله فيك

من حيث العموم ؛ بين الرافضة وبين الخوارِج بون شاسِع .

فالخوارج أهل تديّن ، والرافضة أهل زندقة

والخوارِج مرقوا من الإسلام بتأوّل

والرافضة لم يَدخلوا في الإسلام !

ولذلك فإن الخلاف في تكفير الرافضة أقلّ من الخلاف في تكفير الخوارِج ، فكثير من العلماء لا يُكفِّرون الخوارج ، وأكثر أهل العلم يُكفِّرون الرافضة ؛ وليس هذا هوى ، ولا هو تحيّز لِفريق دون آخر ، فكلّ من الفريقين واقع في البِدعة ، والِغ فيها !

أما الرافضة فهم أهل كُفر وزندقة .

بِخلاف الخوارج فهم أهل دِيانة وتديّن .

وقد شَهِد عليّ رضي الله عنه بالأمْرَين !

فقد ذم الذين غالُوا في حُبِّـه ، وأثنى على الذين قاتَلوه !

وعلى سبيل المثال قول عليّ رضي الله عنه عن الرافضة : لا يبلغني عن أحد أنه فَضَّلَنِي على أبي بكر و عمر إلا جلدته حدّ المفتري .

ولما لما سُئل عليّ رضي الله عنه عـن أهل النهروان أمشركون هم ؟ قال : من الشرك فـرُّوا .

قيل : أفمنافقون ؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا

فقيل : فما هم يا أمير المؤمنين ؟ قال : إخواننا بَغَوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا . رواه ابن أبي شيبة ، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى .

وبناء على هذا القول فقد نقل غير واحد إجماع الصحابة على عدم تكفير الخوارج .

وهذا فيما يتعلّق بالمتقدّمين منهم .

فالخوارج فَعَلوا ما فَعلوا بتأوّل ، واجتهادٍ خاطئ .

بِخلاف الباطنية – ومهم الرافضة – الذين أبغضوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بل وطَعنوا في دِين الله عز وجلّ بِطعنهم بِعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واتِّهام أمهات المؤمنين ، بل والتقرّب بِلعنهن – فيما يُسمى عندهم بِدعاء صَنمي قريش ! – لعن الله الرافضة !

والخوارِج يَرون أن ما يفعلونه دِيانة ، والرافضة يَفعلون ما يفعلونه خيانة !

ولذا كان عبد الرحمن بن مُلجَم – لعنه الله – يَرى أنه تقرّب إلى الله بِقتْل علي رضي الله عنه .

وأخباره مبسوطة في الكامل للمبرّد .

ولذلك مدح عمرانُ بن حطان ابنَ ملجَم ، فقال :

يا ضربة من تقي ما أراد بـهـا *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره حيناً فـأحـسـبـه *** أوفى البرية عند اللـه مـيزانا

بكر بن حسان الباهري :

قل لابن ملجم والأقدار غالبة *** هدمت للدين والإسلام أركانا

فلا عفا الله عنه سوء فعلته ***ولا سقي قبر عمران بن حطانا

يا ضربة من شقي ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

بل ضربة من غوي أوردته لظى ***وسوف يلقي بها الرحمن غضبانا

وقال محمد بن أحمد الطبيب :

يا ضربة من غَدُور صار ضاربها *** أشقى البـرية عند الله إنسانا

إذا تفكّرتُ فيه ظَـلْتُ ألعنه *** وألعن الكلب عمران بن حطانا !

فالشاهد من هذا أنهم يَرون ذلك دِيانة ، ويَرونه قُربة .

وكان الخوارج من أعبد الناس ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ). رواه البخاري ومسلم .

وقد ذُكِر عن ابن مُلْجَم أنه لا زال يَذكر الله حتى قُطِع لسانه !

قال المبرّد في صفة قتل ابن مُلْجَم : قال قوم : بل قَطَع يديه ورجليه . وقال قوم : بل قَطَع رجليه ، وهو في ذلك يذكر الله عز وجل . ثم عمد إلى لسانه ، فَشَقّ ذلك عليه ، فقيل له : لَمْ تجزع من قطع يديك ورجليك ونراك قد جزعت من قطع لسانك ؟! فقال : نعم ، أحببت أن لا يزال فمي يذكر الله رطباً !

قال ابن القيم : وقد نَدِمَ الحسن على تمثيله بابن ملجَم . اهـ .

والخوارج أهل صِدق وديانة مع ما فيهم من البدعة

والرافضة أهل كذب وخيانة ..

والرافضة تُنسَب إلى الباطنية بِخلاف الخوارج .

ولذا يَرْوِي أهل السنة عن الخوارج ولا يروون عن الرافضة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : أهل البدع فيهم المنافق الزنديق ؛ فهذا كافر ، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية ، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة ، وأول من ابتدع الرفض كان منافقا ، وكذلك التجهّم فإن أصله زندقة ونِفاق ، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لِقُرْبِهم منهم . اهـ .

بل عَـدّ الرفض أصلا من أصول الزندقة !

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرافضة : وأكثرهم يُكَفّر من خالف قولهم ، ويُسمون أنفسهم المؤمنين ! ومن خالفهم كفارا ! ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دارَ رِدّة ، أسوأ حالا من مدائن المشركين والنصارى ، ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين ومعاداتهم ومحاربتهم ، كما عُرِف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين ، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين ، ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين ، ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق ! كَزَنْدَقَةِ القرامطة الباطنية وأمثالهم ، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة ، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة ، فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي ! فإذا قال : أحدهم أنا سُني فإنما معناه : لستُ رافضيا ! ولا ريب أنهم شرّ من الخوارج - لكن الخوارج كان لهم في مبدأ الإسلام سيف على أهل الجماعة - وموالاتهم الكفار أعظم من سيوف الخوارج ، فإن القرامطة والإسماعيلية ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة ، وهم منتسبون إليهم ، وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق ، والروافض معروفون بالكذب ، والخوارج مَرَقُوا من الإسلام ، وهؤلاء نابذوا الإسلام . اهـ .

وعبد الرحمن بن ملجَم ومن على شاكلته حَكَم العلماء عليه بالكفر لأنه استحلّ دماء الصحابة رضي الله عنهم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

وهؤلاء الخوارج لهم أسماء يقال لهم الحرورية ؛ لأنهم خَرَجُوا بمكان يُقال له حروراء ، ويقال لهم : أهل النهروان ؛ لأن علياً قاتلهم هناك ، ومن أصنافِهم :الأباضية أتباع عبد الله بن أباض ، والأزارقة اتباع نافع بن الأزرق ، والنجدات أصحاب نجدة الحروري ، وهم أول من كَفَّر أهل القبلة بالذنوب ، بل بما يرونه هم من الذنوب ، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك ، فكانوا كما نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم : (يَقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان )، وكَفَّرُوا عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفان ومن والاهما ، وقتلوا علي بن أبي طالب مُسْتَحِلّين لقتله ، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم ، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة ، لكن كانوا جهالاً ، فارقوا السنة والجماعة ، فقال هؤلاء : ما الناس إلا مؤمن أو كافر ، والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات ، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مُخَلّد في النار ، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك ، فقالوا : إن عثمان وعليا ونحوهما حَكَمُوا بغير ما أنزل الله ، وظلموا فصاروا كفارا ، ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة . اهـ .

فمن استحل دماء المسلمين فهو كافِر بذلك ، هذا إذا كان في شأن عامة المسلمين ، فكيف بِسَاداتِ المؤمنين من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ؟

فأنت ترى من خلال هذه الفروق التفريق بين الرافضي والخارجي – وإن كان كل منهما على ضلال – إلا أن بعض الشرّ أهون من بعض !

والعلماء يُفرِّقون بين من له تأويل مُستساغ ، وبين من ليس له تأويل مُستساغ .

فيعذرون الأول ، ولا يَعذرون الثاني .

ألا ترى أن الصحابة عَذروا من شرب الخمر مُتأوّلاً قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} . كما في مصنف ابن أبي شيبة فيمن شرِبوا الخمر في الشام ، وقالوا : هي لنا حلال وتأوّلوا هذه الآية ، فاستُتِيبوا فتابوا فجُلِدوا الحدّ .

وكما في مصنف عبد الرزاق فيمن شرِبها وتأوّل ذلك ، وجُلِد الحدّ .

ومثله قصة المرأة التي تسرّرت عبدها ، وتأوّلت قوله تعالى : {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . كما في مصنف ابن أبي شيبة .

فالتأويل المستساغ يَدرأ الحدّ ، ويَمنَع من التكفير .

والله تعالى أعلم .