الحسين بن عليّ

الحسين بن عليّ

قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ).

وقال أيضاً : ( من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني )  ويعني الحسن والحسين.

وقال الشاعر الفرزدق في الحسين:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأتـه

والبيت يعرفـه والحلّ والحرمُ

هذا ابن خير عبـاد الله كلِّهِـمُ

هذا النقيّ التقيّ الطاهرُ العلَـمُ

مشتقّـة من رسول الله نسبتـه

طابت عناصره والخيم والشَّبِمُ

من يعرف الله يعرف أوَّليـهِ إذا

فالدين من بيت هذا ناله أمـم

هو الابن الثاني لعلي بن أبي طالب من فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولد الحسين بن علي رضي الله عنه لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وقتل يوم الجمعة، يوم عاشوراء، في المحرّم سنة إحدى وستين للهجرة. رأى الحسين أن الخلافة حق لبيت علي، وانه أحقّ من يزيد بها، فلبّى نداء أهل الكوفة الذين طالبوه بانتزاع الخلافة من الأمويين واعدين إيّاه بنصرته. وقد حذّره العارفون ببواطن الأمور في العراق ألاّ يثق بالعراقيين، وان للأمويين أنصار هناك، وان أهل العراق قد خذلوا أباه علياً بن أبي طالب وأخاه الحسن قبل ذلك.. ويقال انه صادق الشاعر الفرزدق وسأله عنهم فقال له: "قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية".

نزل الحسين ومن معه من أصحابه وأهل بيته في كربلاء، فلما أحيط بجيوش الأمويين قال: ما اسم هذا الموضع؟ قالوا كربلاء. قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي كربٌ وبلاء. أرسل إليه عبيد الله بن زياد بن أبيه وكان عامل يزيد على العراق ومن أشدّ الناس عداوة لأهل البيت، رسالة جاء فيها: "أما بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك كربلاء وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير ولا أشبع من الخمير أو أُلحقك اللطيف الخبير أو تنزل على حكمي وحكم يزيد والسلام".

ولما قرأ الحسين الكتاب رماه من يده وقال: "لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق". وقال لرسول زياد: "ما له عندي جواب لأنّه حقّت عليه كلمة العذاب". فغضب ابن زياد، وأمر عمر بن سعد بالخروج إلى كربلاء، على رأس جيش كان معسكراً في (حمام أعين) قوامه أربعة آلاف. ثم خطب ابن زياد في مسجد الكوفة فقال:

"أيها الناس .. إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون. هذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة محمود الطريقة محسنا إلى الرعية يعطي العطاء في حقه، وقد أمنت السبل في عهده. وكذلك كان أبوه معاوية في عصره. وهذا ابنه يزيد يكرم العباد ويبقيهم بالأموال. وقد زادكم في أرزاقكم مائة. وأمرني أن أوفرها عليكم وأخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين فاسمعوه وأطيعوه".

وفي خطبته اخذ ابن زياد يجمع الناس بالترهيب والترغيب لمقاتلة الحسين، وأخذت الجيوش تتجه نحو كربلاء. وقيل إنها بلغت نحو ثلاثين ألفاً. وانزل ابن سعد الخيل على الفرات فحمى رجاله الماء وحالوا بينه وبين الحسين وأصحابه حتى أضرّ بهم العطش.

قال الحسين: "اللهم إنّا عترة نبيّك محمد قد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدنا، وتعدّت بنو أميّة علينا. اللهم فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين".

 

وبالرغم من الحصار والجوع والعطش وقلّة الناصر همّ الحسين بمقاتلة العدوّ فأنشد يقول:

فإن نهزِمْ فهزّامـون قدمـا وإنْ نُهْـزَم فغير مهزّمينـا

فقل للشامتين بنا أفيقـوا سيلقى الشامتون كما لقينا

إذا ما الموت رُفِّعَ عن أناسٍ بكلكلـهِ أناخَ بآخرينـا

تقدّم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل من رمى... ثم رمى جنده فلم يبق من أصحاب الحسين أحد إلا أصابه من سهامهم. فقال رضي الله عنه لأصحابه:"قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه. هذه السهام رسل القوم إليكم". فحمل أصحابه حملة واحدة واقتتل الفريقان ساعة فما انجلت الغبرة إلا والحسين قد فقد من أصحابه خمسين شهيدا.

فقال الحسين: "اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا. واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتدّ غضبه على القوم الذين اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم. أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي".

ثمّ صاح: "أما من مغيث يغيثنا؟ أما من ذابٍّ يذبّ عن حرم رسول الله"؟! فبكت النساء، وسقط آل أبي طالب واحدا تلو الآخر.

وعندها ودّع الحسين عياله والتحف ببردة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتقلّد بسيفه. وطلب ثوبا لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه لئلا يجرَّد منه، فقد عرف انه مقتول مسلوب. فأتوه بثوب فلم يرغب فيه لأنه من لباس الذلة وأخذ ثوبا خلقا ولبسه تحت ثيابه.

ثم حمل على القوم يقتل منهم وهو يقول:

الموت أولى من ركوب العار والعار أولى من دخول النار

ثم صاح عمر بن سعد بالجمع: "هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب". فأصابوه بالنبال، وسقط على الأرض وهم حوله، وترددت كل قبيلة في قتله. فتقدّم إليه زرعة بن شريك، فضربه على عاتقه، وطعنه سنان بن أنس في ترقوته ثم في بواقي صدره ثم رماه بسهم في نحره، وطعنه صالح بن وهب في جنبه.

ونادت أم كلثوم: "وا محمّداه.. وا أبتاه.. وا عليّاه.. وا جعفراه.. وا حمزتاه.. هذا الحسين بالصحراء صريع بكربلاء". ثم نادت: "ليت السماء أطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السهل". ثم صاحت فيهم: "ويحكم أما معكم مسلم"؟ فلم يجبها أحد.

ونزل إليه أحدهم وضربه بالسيف اثني عشرة ضربة واحتزّ رأسه. وقد قتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون رجلا.

واقبل القوم على سلبه فأخذ اسحق بن حوية قميصه واخذ الأخنس بن مرشد بن علقمة الحضرمي عمامته واخذ الأسود بن خالد نعليه، واخذ سيفه الأسود بن حنظلة، وآخر رأى الخاتم في إصبعه والدماء عليه فقطع إصبعه واخذ الخاتم.

قيل لما قتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما اخذوا رأسه، وقعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ ويلعبون بالرأس. فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب بسطر دم:

أترجو أمّة قتلت حسيناً شفاعة جدِّه يوم الحساب

فهربوا وتركوا الرأس ثم رجعوا.

ولزينب بنت عقيل بن أبي طالب هذه الأبيات من الشعر حول مقتل الحسين:

ماذا تقولون إن قال الرسول لكـم

ماذا فعلتم وأنتم آخـر الأمـمِ

بأهل بيتـي وأنصـاري وذرّيتـي

منهم أسارى وقتلى مُزِّجـوا بدمِ

فقال أبو الأسود الدؤلي: نقول { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين }  (سورة الأعراف ، الآية 23).

ثم وصل رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية فردّه ليدفن مع الجسد في كربلاء.

الحسين بن عليّ فى التاريخ

كانت معركة كربلاء غير متكافئة. فقد كان جيش الأمويين يزيد بـ (30) ألف عن أنصار الحسين بن علي، لذا فهي مذبحة في وضح النهار. وواضح أن الحسين عرف أن قوّته قليلة من حيث الجند، لكن إيمانه كان كبيرا بدينه، فهو سيّد الثائرين والشهداء لأنه ثار من أجل إصلاح الوضع والإطاحة بحكم يزيد.

والغريب ما ذهب إليه بعض المؤرخين بأن الحسين أخطأ، وانه خرج ولم يعدّ نفسه لهذه الموقعة، وكأنه خرج يطلب الملك. ولكنّ الحسين خرج ليقول كلمة الحق.

وقد كتب ابن خلدون يقول: "فقد تبيّن لك غلط الحسين إلا انه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه. وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لأنه منوط بظنه. وكان ظنه القدرة على ذلك. ولقد عذله ابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن الحنفية وأخوه وغيره في مسيرة الكوفة وعلموا غلطه في ذلك ولم يرجع عما هو بسبيله لما أراده الله".

ويقول الذهبي: "اغترّ الحسين وسار في أهل بيته فقتل".

والموسويّ يقول: "الإمام الحسين الذي ثار ضدّ الذين نصحوه بالبقاء في مدينة الرسول ومنعوه من السير إلى العراق".

وهنا نرى أن الحسين لم يلقَ العون من شيعته الذين لم يهبّوا لنجدته في ساحة الميدان، حين مزّقت الرماح والسهام والسيوف جسده. وبعد موته مثّل القوم به وسلب ما كان عليه من حليّ وملابس وسلاح. وبعد أن دفن ينهش المؤرخون لحمه ويكتبون انه قاتَلَ لأمر دنيوي، وانه قاتل بغير حق، وانه خرج على الخليفة الشرعي يزيد.. ويتجاهلون انه لم يخرج طلبا للخلافة بل لتطبيق حكم الله وسنة رسوله، وإبعاد الناس عن الفسق والضلال الذي ساد ويسود في كل زمان.

وبموته نستطيع القول إن الإسلام تجزّأ إلى سنة وشيعة، وان خطوة ابن زياد بن أبيه هذه كانت من اكبر الأخطاء التاريخية، لأن هذه المذبحة جرّت وراءها ألف مذبحة ومذبحة، قتل فيها مئات الألوف من المسلمين الذين كان من المفروض أن يقاتلوا أعداء الإسلام، والذين اقتتلوا فيما بينهم حتى سخر منهم الأعداء.

يقول السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء": "لعن الله قاتله وابن زياد ومعه يزيد". باستشهاد الحسين ينطوي الفصل الثالث من سلسلة الغدر بعد استشهاد الإمام عليّ والإمام الحسن ثم الإمام الحسين. وقد يقول بعضهم إن الحسين شهيد الشيعة، وأقول انه شهيد الإنسانية.

ولا ينكر عاقل ومتابع للأمور إن سبب قتله، وعلى هذه الصورة، هو من اجل إبعاده هو وذريته عن سدّة الحكم ومركز القوة والتأثير في الدولة الإسلامية.

كما أن مقتله يعتبر من الأسباب الهامة التي أدّت إلى القضاء على الدولة الأموية خلال فترة قصيرة من الزمن. فقد قتل الإمام الحسين في 10 / 10 / 680 ميلادية، وسقطت الدولة الأموية بعد ذلك بنحو سبعين عاماً، وذلك في عام 749 م، بعد معركة الزاب الأعلى التي قتل فيها الخليفة الأمويّ الأخير مروان الثاني الملقّب بـ "الحمار" لشدّة صبره.

وقد قتل مروان الثاني بعد أن كان فارّاً ومختبئاً في كنيسة في الفيوم في شمال القاهرة