عظمة السيرة النبوية

عظمة السيرة النبوية

الشيخ / محمد بن إبراهيم الحمد

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين

يها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد ،،،

فإن الحديث في هذه الحلقة فيكون حول أسرار السيرة النبوية ، والسيرة النبوية حافلة بالأسرار مليئة بالعبر ولعل من أعظم أسرار سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنها تمتاز عن سير سائر العظماء بأنها لا تستنفذ مهما كتب فيها من كتب ، فسير العظماء على الجملة يقوم بأمرها ويغني بشأنها أن تكتب مرة أو مرات ثم تستنفذ معانيا ويصير الحديث فيها معاداً مكروراً تغني فيه أعمال الأسلاف عن محاولات الأخلاف ،

أما سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلقد عني المؤرخون والرواة بها منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا ، وانتشر فيها كثير من الكتب في عدة لغات ، ومع ذلك لم تخلق شدتها بل إنها لتزداد على كثرة ما يكتب فيها جدة وراءاً ، وليس هذا على خطره بدعاً من طبيعة الأشياء ، فمحمد هو رسول الله وخاتم النبيين وقد أنزل الله إليه هذا الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، والناس المعنيون بهذا هم كل الناس منذ بعث حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهؤلاء بسنة الله في الكون في تجدد دائم وتطور متصل تجد لهم دائمًا أحوال ، وتحدث لهم أحداث يكون لها آثارها في معاشهم وعلومهم وتفسيرهم فليس عجباً أن يلتمس المسلمون في الكتاب المنزل وفي التفسير الحي لهذا الكتاب الذي عاشه خاتم النبيين بسيرته هدياً لهم فيما يستقبلون كل يوم من شأن ، وليس عجباً أن يلتمس غير المؤمنين في هذا الكتاب المنزل وفي تفسيره الحي من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما عسى أن يقعوا فيه على مسافة خلف بين الدين والتطور أو بين الكتاب والسنة والسيرة ، وكذلك عني المؤمنون وغير المؤمنون بالسيرة عناية تختلف من حيث الحقيقة والخرافة ومن حيث الإنصاف ، والسيرة الشريفة مع هذه العناية المتصلة جديدة خصبة ملهمة موحية لأنها الترجمعة الحية العملية لمبادئ الإسلام العليا فهي تترائى للعقول والنفوس قوية مشرقة لم يبلي شدتدها تقادم العهد ولا تتطاول الزمان ، وما أكثر ما تجنى خصوم الإسلام على سيرة نبيه جهلاً أو جحوداً للحق فلم ينالوا منها نيلاً بل ربما دفع تجنيهم بعض الباحثين إلى العناية بها تلمساً للإنصاف وطلباً للمعرفة فهدوا بذلك إلى الخير أو شيء منه ، ولعل من صلاة الله على نبيا أن أوزع الناس هذه العناية بسيرته سواء منهم من أقر به أو من أنكر نبوته لأنه صلى الله عليه وسلم نور ومن عرف النور فقد شهد لنفسه بالاستبصار ومن أنكره فقد شهد على نفسه بالعمى ، والنور على الحالين نور ، وقد رفع الله ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقرن اسمه باسمه في الآذان والصلوات ووصفه في أكثر من موضع من القرآن بصفات تجعله في المرتبة التي لا تنال  { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } [الأعراف/157]

أيها المستعمون الكرام:

ليس مصدر العناية بالسيرة إرضاء حاجة العناية بالعلم والدرس فحسب فحاجات المؤمنين إلى هذا الينبوع من الحب والهدى أشد من حاجات العلماء إلى البحث والدرس وكل من في قلبه نفحة إيمان يجد نفسه مهما فرط في الدين مشدوداً إلى محمد راغباً إلى أن تزداد هذه العلاقة وثاقة ، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب الله ، فليس محمد على شأنه الأجل إلا بشراً رسولاً ،

ومن أعظم أسرار السيرة النبوية أن لها أبلغ الأثر في تقويم السلوك وتربية العواطف الشريفة فإنها المرآة التي تنعكس منها تلك الصورة التي تعد بحق أرقى صورة للحياة البشرية حيث كان النبي محمد عليه الصلاة والسلام يرسم بأقواله وأعماله وسائر تصرفاته القدوة العليا التي يجب أن تهدف إليها جهود البشر في سيرهم نحو الكمال المنشود،

إن ثلاثة وعشرين عاماً هي جملة السنين التي عاشها محمد نبياً رسولاً قد لا تكون في مقياس الزمن شيئا مذكوراً إذا قيست إلى ما قضته البشرية من حقب متطاولة وأجيال متعاقبة ، ولكنها في مجال التربية والإصلاح ورسم قواعد السلوك البشري الفاضل ووضع المعالم والحدود لحياة الإنسان كما يحب رب الإنسان وبما يحقق الغاية من وجوده ويكفل له الحياة السعيدة الكريمة لأرجح في الميزان من كل ما غبر من حقب وأجيال ، ذلك أن بركات هذا النبي لا تكاد تحصى ولا تحصر وإن منها لبركة الوقت التي نال أمته منها أوفر الحظ والنصيب فنالت من العلوم والأخلاق والحكمة في وقت قصير ما لم تنله أمة من الأممم ،

يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله " فكل من استقرأ أحوال العالم وحد المسلمين أحد وأشد عقلاً وأنهم ينالون من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال "

وقال رحمه الله في موضع آخر " فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات الهدى هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً ولأهل العلم منهم خصوصاً من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق العظيمة والسننن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علماً وعملاً الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها لاتفاوتا تفاوتاً يمنع معرفة القدر بالنسبة بينهما فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها " انتهى كلامه رحمه الله ،

أيها المستمعون الكرام :

ومن أعظم ما امتازت به سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنها معلومة للناس بجميع أطوارها متجلية لهم من كل مناحيها ولا ريب أن ذلك من أعظم أسرار عظمتها وخلودها إذ لا يصح أن تكون سيرة أحد من الناس قدوة لغيره إلا أن تكون واضحة معلومة منزهة عن العيوب والمسالب ، ولقد ضبظ العلماء سيرته عليه الصلاة والسلام وأتوا على دقائق قد لا تخطر بالبال ، ولو استعرض القارئ فهرسة أحد الكتب التي اعتنت بسيرته وشمائله لوجد ذلك واضحاً جلياً ،

ولهذا فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحرج من نقل ما يقوم به من أعمال حتى في داخل منزله فترى من جراء ذلك كثرة الأحاديث التي ترويها أمهات المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك إلا لأن سره كعلانيته وظلم ليله كضوء نهاره فسيرته معلومة منذ ولادته إلى ساعة وفاته وهكذا نجد أن السيرة النوية حافلة بالأسرار مليئة بالعبر وإلى هنا ينتهي وقت هذا الحلقة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .