حقوق آل البيت

حقوق آل البيت

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأزواجه وذريته.

- قال الله تعالى: ِ{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} الأحزاب ، { وَيُطَهِّرَكُمْ }بإلهامهم الإنابة وإدامة العمل الصالح، وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم وتوفيقهم إليه. { تَطْهِيرًا}  مبالغة في التطهير وإكثارًا منه تعظيمًا لهم، والآية تشير إلى اصطفاء الله عز وجل لأهل البيت

بالمنزلة الرفيعة والمكانة العالية، وأنه يريد لهم الطهر والصلاح تعظيمًا لشأم، وفي ذلك الدليل الواضح على مكانتهم العظيمة عند ربهم، وتوجب علينا توقيرهم وتعظيمهم واحترامهم لمحبة الله لهم وقربهم منه .

قبل أن نشرع في الموضوع وندعو الناس لأداء الحقوق لأصحابها ينبغي أن يُعرف أولاً مَن أصحابُها؟ بمعنى أنه لابد أن يتميز أهل البيت في المجتمع من غيرهم حتى يتبين الناس محل الحق، وذلك بعد أن تميزوا في بطون الكتب بأنهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، وإن تميّزهم في المجتمع لأمر عظيم الأهمية والخطر، فإذا ظل آل البيت ذائبين في الناس فسوف يظل الثقل أيضا ذائبا بذوبانهم، وإنما ثقلهم في خروجهم من الانصهار في المجتمع، ووجود كيان لهم وعلامات يشارون بها، حتى إذا تميزوا انبنى على تميزهم أداء الحقوق لهم، وتكليفهم بما عليهم من واجبات للأمة.

وقد قرر هذا المعنى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في فتوى له، حيث عاتب الشيخُ رحمه الله بعضَ أتباعه لـمَّا علم أنهم أنكروا على أحد الأشراف المنتسبين لآل البيت تقبيل الناس يده ولبسه اللون الأخضر في ذلك الزمان، فقال : " فقد ذُكر لي عنكم أن بعض الإخوان تكلم في عبد المحسن الشريف يقول: إن أهل الحسا يحبون على يدك، وأنك لابس عمامة خضراء. والإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله، وأما تقبيل اليد فلا يجوز إنكار مثله وهي مسألة فيها اختلاف بين أهل العلم، وقد قبّل زيد بن ثابت يد ابن عباس وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ، وعلى كل حال فلا يجوز لهم إنكار كل مسألة لا يعرفون حكم الله فيها، وأما لبس الأخضر فإنها أحدثت قديماً تمييزاً لأهل البيت؛ لئلا يظلمهم أحد أو يقصر في حقهم من لا يعرفهم، وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس حقوقاً فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم ويظن أنه من التوحيد، بل هو من الغلو".

فانظر إلى هذه الفتوى التي تصدر عن فهم الواقع ووضع النصوص موضع التطبيق العملي، وبدون ذلك فمن العبث الكلام عن أداء حقوق لمجهولين، ويظل الأمر كما هو الحال الآن كلاما نظريا متداولا ما بين الكتب والأذهان والألسنة دون الواقع، وما دامت الفتوى صادرة عن عالم معتمد لدى الجميع؛ فما المانع من استغلالها لإحياء هذه السنة الواجبة الغائبة الخطيرة التي هي الثقل الأصغر للأمة، والتي هي باب العز والنصر والتمكين، كما هي سنة الله في الذين خلوا من قبل من خير القرون ومن بعدهم.

وإنني أتوقع أن يقول قائل: إن في هذا لمفاسد متوقعة من استغلال هذا التميز من قبَل بعض من لا ينتسبون إلى آل البيت، ونرد على هؤلاء بما نرد به على من يمنعون النقاب بدعوى سوء استغلاله من اللصوص الرجال…، والجواب عن الأمرين هو أن المفسدة القليلة تحتمل للمنفعة الكبيرة العظيمة، كما تحتمل مفسدة استغلال اللصوص لزي ضباط الشرطة في تمرير جرائمهم، بجانب منافع هذا الزي اللازم لتميز هذه المهنة، وبدون هذا التميز لا يمكن طلب الحق من الشرطي ولا أداء الحق له، ويختلط اللص بالشرطي، فاحتمال بعض المفسدة بجانب المصلحة العظيمة هو مما ورد به الشرع وقرره العلماء.

ومثل هذا يقال في الخوف من وجود العجب والكبر والخيلاء من هذا التميز على قلب المنسّب، فإن المصلحة أكبر.

وإن من العجب أن يستسر بعض الإخوة بنسبهم كما يستسرون بالعمل الصالح، والفرق كبير كما هو واضح، حتى إن أحد الإخوة أخبرتْه امرأته بالصدفة بعد سبع سنين من زواجهما وإنجاب طفلين أنها من آل البيت، فيا للعجب، فكيف تؤدى الحقوق إلى أهلها، وكيف يحسن إليهم من لا يعرفهم، فكم من الحقوق مر في السنين السبع! كما مرت آلاف الحقوق عبر عشرات السنين على مستوى المسلمين جميعا، ثم نتعجب من تأخر النصر والتمكين، والعجب منا نحن، ونحن سببه!

وليس في إخبار الشريف بنسبه بأس إذا أراد به الخير للمسلمين، وليسأل الله الإخلاص والمعافاة وأن يعيذه من أن يشرك به باطنا أو ظاهرا، وأن يعيذه من شر نفسه.

1- وعندما ندعو الناس إلى الاهتمام بحق آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن هذا الحق قد يكون مشددا في شأن بعض الناس، وذلك كأزواج آل البيت وزوجاتهم، فإن للرجل على المرأة حقوقا يعلمها الجميع، فإذا منّ الله على امرأة بأن جعلها ذات صهر لا يوضع حين يوضع كل صهر يوم القيامة ، وجعل من رحمها مستودعا لخير نسل من خير الخلق، وجعل في بيتها ثقلا لو أحسنت الأخذ به لقادها إلى عز الدنيا والآخرة، فيجب على هذه المرأة أن تشكر الله لا كما تشكره بقية النساء، فإن السيدة أم المؤمنين سودة رضي الله تعالى عنها حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها، طلبت منه أن يمسكها ووهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها، كل ذلك لتحشر في زمرة نسائه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن، لإدراكها شرف ذلك في الدنيا ويوم القيامة، فينبغي على تلك المرأة زوجة الشريف أن تستحضر نعمة الله تعالى عليها، وما كرمها به في الزوج والولد.

فمن حسن أخذها بهذا الثقل تقديمهم في الاهتمام على النفس والغير، إلا على واجب أو مستحب أرجح دل عليه الدليل، فإذا وجبت على الزوجة حقوق تجاه الزوج العادي؛ فآل البيت يتأكد هذا الوجوب في حقهم، من تلبية الزوج في الفراش، وأكرِمْ به من شرف أن تكون فراشا وحرثا لبذرة تنتهي إلى خير الخلق، وهو ما قد لا يكون حاضرا في أذهان كثير من الناس،              

وتأمل أن عمَر على جلالة قدره أراد أن يتشرف بتزوج أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم أجمعين، وعمر ثالث أعظم الرجال في هذه الأمة، كل ذلك لشرف النسب الذي لا يوضع يوم القيامة وتقربا إلى الله بالتقرب إلى آل البيت.

وينبغي أن تفرغ وقتها ما أمكنها ذلك – إلا على ما هو أرجح- لتحقيق ما يسعد الزوج في نفسها وولده وبيته ، وتأمل أيضا أن عائشة كانت تؤخر قضاء رمضان إلى شعبان التالي حتى تكون دائما متأهبة لإسعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى يشاء، وأما في شعبان فإنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان إلا قليلا، فإذا صامت هي أيضا القضاء تكون مطمئنة أنها لن تفوت عليه سعادته منها.

وتأمل ثالثةً قول أبي هريرة رضي الله عنه لـها عندما قالت له: يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا إنك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل سمعت إلا ما سمعنا وهل رأيت إلا ما رأينا؟ قال: يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرآة والمُكحُلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء. 

فانظر إلى هذه المرأة العظيمة وهي الأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف فرغت نفسها له، حتى ظن أبو هريرة أنها لفرط انشغالها بإسعاده صلى الله عليه وسلم والتصنع له قد انشغلت عن السماع والتعلم منه صلى الله عليه وسلم.

وكان علي رضي الله عنه يقول لأهل الكوفة عن الحسن: (لا تزوجوه فإنه مطلاق -أي: كثير الزواج والطلاق- فيقولون: واللهِ يا أمير المؤمنين لو خَطب إلينا كلَّ يوم لزوجناه منا مَن شاء، ابتغاء في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

وانظر إلى ما أدب الله به نساء سيد آل البيت صلى الله عليه وسلم، لتحقيق إذهاب الرجس والتطهير، لأن بيوت آل البيت إذا ذهب عنها الرجس وطهرت؛ كان ذلك تحقيقا لمراد الله عز وجل أولاً، ورفعة لهذا الثقل الذي ترتفع الأمة برفعته، فقال:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) } (الأحزاب)

 

- وأما أم أطفال آل البيت وأبوهم فينبغي عليهما أن يحنوَا على ولدهما أكثر من أي أبوين، روى الطبراني في المعجم الكبير عن يزيد بن أبي زياد قال : خرج النبي صلى الله عليه و سلم من بيت عائشة رضي الله عنها فمر على بيت فاطمة فسمع حُسَيْنًا يبكي رضي الله عنه فقال :( ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني ؟ )، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفلٍ وأرعاه على زوجٍ في ذات يده ) قال: يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط.

و عن عائشة قالت : 'قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : أتقبلون صبيانكم ؟ فقالوا : نعم . قالوا : لكنا والله ما نقبّل . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( وأَمْلِكُ إن كان الله نزع منكم الرحمة) وقال ابن نمير : (من قلبك الرحمة)  .وعن أسامة بن زيد : 'كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذني فيقعدني على فخده ، ويعقد الحسن على فخذه الأخرى ، ثم يضمهما ، ثم يقول : اللهم ارحمهما فإني أرحمهما'  .   

وعن البراء بن عازب قال : ( رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : اللهم إني أحبه فأحبه)   . و عن ابن أبي نعم قال : ( كنت شاهداً لابن عمر ، وسأله رجل عن دم البعوض فقال : ممن أنت ؟ قال: من أهل العراق . قال : انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض ، وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسمعت النبي يقول : هما ريحاني من الدنيا ) .

وعن حسين بن علي رضي الله عنهما قال : صعدت إلى عمر بن الخطاب المنبر فقلت له : انزل عن منبر أبى واصعد منبر أبيك ، فقال : إن أبى لم يكن له منبر . فأقعدَنى معه ، فلما نزل ذهب بى إلى منزله فقال : أيْ بنيّ مَنْ علّمَكَ هذا؟ قلت: ما علمنيه أحد. فقال : أي بني لو جعلت تأتينا وتغشانا. قال: فجئت يوما وهو خالٍ بمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن له ، فرجعت ، فلقينى بعدُ فقال: يا بني لم أرَكَ أتيتنا! قلت: جئت وأنت خال بمعاوية فرأيت ابن عمر رجع فرجعت، فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر، إنما أنبت فى رؤوسنا ما ترى اللهُ ثم أنتم، ووضع يده على رأسه .

وعن نجي أنه سار مع علي فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين نادى: اصبر أبا عبد الله! اصبر أبا عبد الله بشط الفرات، قلت: وماذاك: قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله! أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان؟ قال( بلى، قام من عندي جبريل قبل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، فقال: هل لك إلى أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها. فلم أملك عيني أن فاضتا) .

فانظر إلى اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصغار لا سيما بصغار آل البيت، فإن ذرية الحسن والحسين كذلك.

كذلك يجب على من شرفه الله بتزوج امرأة من الآل أن يحسن صحبتها أكثر من غيرها، فإذا كان يعلم من نفسه صفة الغضب والانفعال فليجنب نفسه نكاح آل البيت يكنْ خيرا له، فإذا كان النساء ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم، فنساء آل البيت أولى، وإذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء فالوصية بنساء آل البيت آكد، روى الحاكم في المستدرك عن المسور أنه بعث إليه حسنُ بن حسن يخطب ابنته فقال له: قل له فيلقاني في العتمة، قال : فلقيه فحمد اللهَ المسورُ وأثنى عليه ثم قال : أما بعد و ايم الله ما من نسب و لا سبب و لا صهر أحب إليّ من نسبكم و سببكم وصهركم، و لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها و يبسطني ما يبسطها وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي و سببى وصهري)، و عندك ابنتها، ولو زوجتك لقبضها ذلك. فانطَلَقَ عاذرا له .ا.هـ فانظر كيف جعل حفيدة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم  لها نفس حكم فاطمة الكبرى.

كما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:( فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي )  وفي رواية أبي معمر

إسماعيل بن إبراهيم الهذلي عن سفيان: ( إن فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤذيني ما آذاها ) لم يزد.  وبنو فاطمة وبناتها أيضا منه صلى الله عليه وسلم، وينسحب عليهم ذلك.

وكذلك ينبغي (أن يزوج مَن ثَبَتَ نسبُه إليهم بناتِه ممن يكافئهن في الصلاح والتقوى والديانة، حفاظًا على هذا النسب الشريف وصونًا له) .

وقال صلى الله عليه وسلم: ( يا أيها الناسُ مَن آذى عمّي فقد آذاني؛ فإنما عمُّ الرجلِ صِنْوُ أبيهِ )

فإذا عظم حق آل البيت داخل أسرهم الشريفة فإن ذلك منطلق لتعظيم حقهم في الناس، وإذا ضيع حقهم في بيوتهم – نسأل الله العافية- فأنّى نطلب من الناس حفظ ما فرطنا فيه؟

وكذلك قد أوصى الله عز جل ورسوله صلى الله عليه وسلم بالجار، فعن عبدِ الله بن عمر رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ الله تَعَالَى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيرُ الجِيرَانِ عِنْدَ الله تَعَالَى خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ ) . فيتأكد أيضا ذلك في حق الجار المنسّب، من تقديمه على بقية الجيران في مراعاة حقوقه، وكف الأذى عنه، وذلك تطبيقا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذا بهذا الثقل.

- وكذلك الحال في الأصحاب، فعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: ( لا تُصَاحِبْ إلاَّ مُؤْمِناً ، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ ) . ، وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - : أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: ( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ، فَليَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ) ، وعن أَبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - : أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: ( المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) . وفي رواية: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: الرَّجُلُ يُحبُّ القَومَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ قَالَ: ( المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ).

فإذا كان الصاحب مؤمنا تقيا ومن آل البيت فأكرم به من صاحب ساحب إلى الجنة معه إن شاء الله، وينبغي أن يحرص صاحبه عليه ويقدمه على غيره من الأصحاب، ويحرص على صلته ومودته وتقديم الاهتمام بأمره إلا على واجب أو مستحب أرجح.                                                                                                              

سئل الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله - إذا اتصل الرجل الصالح من أهل البيت ( الأشراف والسادة) بالهاتف الجوال .. فهل يسعُني أن أؤخره أو أهمله ؟

فأجاب: 

إذا اتصل الرجل الصالح من آل البيت عليك في الهاتف أو الجوال ، وعرفت رقمه ؛ فيتأكد إجابته وعدم إهماله ، لأن هذا من الوصاة بآل النبي صلى الله عليه وعلى آله و سلم وتقديرهم واحترامهم، خاصة إذا كان ذلك في أمر شرعي أو حاجة لهم في أمر دنيوي ...، فإذا شغل ذلك عن واجب أو مستحب أرجح ، فانه يرد عليه فيما بعد على قدر الوسع والطاقة ، والله تعالى أعلم .

وعن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الثقة أن العباس بن عبد المطلب لم يمر قط بعمر بن الخطاب ولا بعثمان بن عفان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس بهما إجلالا له أن يمر بهما عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما راكبان وهو يمشي .

 

2- كذلك من حقوق آل البيت عدم إنكار نسب من ثبت نسبه منهم بشهادة العدول والقيد في السجلات الرسمية أو التواتر…، فإن " النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ) ، فكيف بالطعن في أشرف الأنساب والبيوت؟ وقد يقول قائل : فأين آل البيت اليوم؟ وكل أحد يستطيع أن يدعي أنه منهم، ومن الأنساب ما هو مزور…

وإنني أرد على هؤلاء بما نرد به على من ينكرون السنة قائلين: إن السنة فيها الصحيح والضعيف والموضوع، ويشككون في أبي هريرة والرواة، وينتهون إلى الأخذ بالقرآن فحسب، لأن الله حافظه، فهو قطعي الثبوت بخلاف السنة بزعمهم…

نرد على هؤلاء بأن الله أمرنا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأخذ ما آتانا {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا  }(الحشر7)، فلابد أن يحفظ الله لنا ما أمرنا بالأخذ به، فلابد أن تكون هناك سنّة صحيحة موجودة إلى آخر الزمان، ولكن على المسلمين أن يبحثوا ويجتهدوا في تمييزها ثم الأخذ بما صح منها تطبيقا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم: ( فعليكم بسنتي… ) فلا يمكن أن يأمرنا الله ولا رسوله بالأخذ بشيء ضائع يختلط فيه الحق بالباطل، فما دمنا قد أمرنا بالأخذ بشيء فلابد أن يحفظه الله لنا لتنفيذ هذا الأمر وعلينا نحن أن نجتهد.

فقلْ مثل ذلك في الأخذ بثقل آل البيت؛ لأن النبي هو الذي أمرنا بالأخذ به ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي )  ، فلا بد أن تكون أنسابهم محفوظة، ولا يمنع ذلك من وجود المزوَّر الذي لا يغطي على الأصل ولا يلغيه، كما لا يغطي الحديث الموضوع ولا الضعيف على الصحيح ولا يلغيه، فإن من المستحيل أن يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ بشيء ضائع يختلط فيه الحق بالباطل، فما دام قد أمرَنا بالأخذ بشيء فلابد أن يحفظه الله لنا لتنفيذ هذا الأمر وعلينا نحن أن نجتهد، ولا نقبل إلا ما ثبت من النسب.

3- ومن حقوقهم أيضا عدم الاستهانة بنسبهم، وألا يردّ على من يذكر نسب آل البيت بردّ هو قولة حق يراد بها الباطل ، وهذا أمر يلاحظ كثيرا من بعض الناس الذين يظنون أنهم يدافعون عن المبادئ المستقرة في الدين: أن أكرم الناس عند الله أتقاهم، ويا فاطمة اعملي لا أغني عنك من الله شيئا، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه…وكل هذا الإيراد هو من الحق الذي يراد به الباطل، وهو إبطال قيمة هذا النسب، وإهدارها ومساواته بغيره في الدنيا والآخرة، والحق أن من يعظّم نسب آل البيت لا يقرر لهم مزيدا من الحسنات لمجرد النسب بلا عمل منهم، بل مفهوم المخالفة للحديث أن من أسرع به عمله قد يسرع به نسبه، قال شيخ الإسلام في رسالة ( رأس الحسين ) عقب حديث: ( والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي ): فإذا كانوا أفضل الخلق فلا ريب أن أعمالهم أفضل الأعمال.أ.هـ

ويفهم من خطاب الله عز وجل لأمهات المؤمنين { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) } أن ذلك قد يكون عاما في أهل البيت، كما فهمه الإمام علي بن الحسين زين العابدين، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور والوزر بلغنا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال : ( إني لأرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين، وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين ).

وإن كان من يتكلم في نسب آل البيت لا يتطرق أصلا إلى موضوع الأجر والثواب في الآخرة، إنما الكلام في تنفيذ أمر الله ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل: { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ  أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}  (الشورى. (23

قال الطيبي كما في تحفة الأحوذي ( ج4 ص 343 ) : لعل السر في هذه التوصية واقتران العتـرة بالقرآن أن إيجاب محبتهم لائح من معنى قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ  أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فإنه تعالى جعل شكر إنعامه وإحسانه بالقرآن منوطاً بمحبتهم على سبيل الحصر، فكأنه صلى الله عليه وسلم يوصي الأمة بقيام الشكر ، وقيد تلك النعمة به ، ويحذرهم عن الكفران، فمن أقام بالوصية ، وشكر تلك الصنيعة بحسن الخلافة فيهما لن يفترقا ، فلا يفارقانه في مواطن القيامة ومشاهدها حتى يردوا الحوض ، فشكر صنيعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ هو بنفسه يكافئه ، والله تعالى يجزيه الجزاء الأوفى ، فمن أضاع الوصية وكفر النعمة فحكمه على العكس ، وعلى هذا التأويل حسن موقع قوله : ( فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) ، أي : تأمّلوا وتفكروا واستعملوا الروية في استخلافي إياكم هل تكونون خلف صدق أو خلف سوء.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أذكركم الله في أهل بيتي، قالها ثلاثا ). ولا شك أن المراد بالمودة هنا قدر زائد عن مودة غيرهم من المؤمنين، ولو كانوا من الأقربين، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: " لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ أن أصل من قرابتي "، وقال عمر رضي الله عنه للعباس: "…فَوَالله لَإِسْلاَمِكَ حِينَ أَسْلَمْتُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ إِسْلاَمِ الْخَطَّابِ أَبِي لَوْ أَسْلَمَ وَذلك أَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلاَمَكَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم مِنْ إِسْلاَمِ الْخَطَّابِ"،

وروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ) فهذا الحديث فيه الوصية بأهل البيت والتأكيد فيها على محبتهم وتوقيرهم وإعطائهم ما لهم من حقوق، وأن في ذلك طاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم. قال النووي عند شرحه لهذا الحديث: "قال العلماء سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما وقيل لثقل العمل بهما". (فاتباع القرآن واجب على الأمة بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذي بعث به رسوله ، وكذلك أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم تجب محبتهم وموالاتهم، ورعاية حقوقهم وهذان الثقلان اللذان وصى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم).

قال المناوي  في شرح حديث الترمذي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي) يعني إن ائتمرتم بأوامر كتابه وانتهيتم بنواهيه واهتديتم بهدي عترتي واقتديتم بسيرتهم اهتديتم فلم تضلوا، قال القرطبي: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله وإبرارهم وتوقيرهم ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأنهم جزء منه فإنهم أصوله التي نشأ عنها وفروعه التي نشؤوا عنه كما قال : ( فاطمة بضعة مني ) وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يبغضُنا أهلَ البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار).أ.هـ

 (وفي الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وبالعلماء  بهما من أهل البيت النبوي، وأن هؤلاء الثلاثة يبقون إلى قيام الساعة، ما جاء عند مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه قرب رابغ مرجعه من حجة الوداع، قبل وفاته بنحو شهر فقال: (وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: (وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي). وفي رواية زيادة: "فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض". قال ابن حجر المكي: ((ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضعة وعشرين صحابيًا)) وقال أيضًا:  ((سماهما ثقلين إعظامًا لقدرهما؛ إذ يقال لكل خطير شريف:  ثقلا، أو لأن العمل بما أوجب الله من حقوقهما ثقيل جدًا، ومنه قوله تعالى:  {ِإنَّا سَنُْلقِي عََليْكَ َقوْلا َثقِيلا} [المزمل: ٥] أي له وزن وقدر؛ لأنه لا يؤدى إلا بتكليف ما يثقل، وسمى الإنس والجن ثقلين لاختصاصهما بكوما قطان الأرض، وبكوما فضلا بالتمييز على سائر الحيوان)). والحديث حث على التمسك بالعارفين بالكتاب والسنة من أهل البيت.)

وقد روى البخاري بإسناده إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ((ارقُبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته)) ، وقال البيهقي: ودخل في جملة محبته صلى الله عليه وسلم حب آله.

 وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي كتاب الله وعتـرتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض)

وعن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن عيبتي  التي آوي إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم ) .

ولما دخل عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في حاجة له على عمر بن عبد العزيز قال له عمر: "إذا كانت لك حاجةٌ فأرسل إليَّ أو اكتب؛ فإني أستحيي من الله أن يراك على بابي".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن اللهَ ليرفعُ ذريةَ المؤمنِ إليه في درجتِه وإن كانوا دونَه في العمل لَتقرَّ بهم عينُه ثم قرأ : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ } الآية ثم قال : وما نقصْنا الآباءَ بما أعطينا البنينَ " .

 

وخطب رسول الله صَلى الله عَلَيه وسَلَّم فقال : ( ألا ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع ، والذي نفسي بيده ، إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة ، ألا وإني فَرَطُكُم أيها الناس على الحوض، ألا وسيجيء قوم يوم القيامة فيقول القائل منهم: يا رسول الله صَلى الله عَلَيه وسَلَّم ، أنا فلان بن فلان , فأقول : أما النسب فقد عرفته ، ولكن ارتددتم بعدي ورجعتم القهقرى) .

فمن يتكلم عن العناية بنسب آل البيت إنما يعنى بالأخذ بالثقل الثاني من الثقلين اللذين تركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالأخذ بهما، وفي هذا أداء لواجب من أعظم واجبات الدين التي قد يتأخر النصر بتخلف ما هو أقل منها بكثير، والحفظ لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه أعظم الإحياء لعز الأمة وتمكينها، وغير ذلك من أسباب هذا الأخذ والاهتمام…

وإنما يقال القول السابق ويراد به الحق إن كان من يتكلم في نسب آل البيت لا يعنيه ما ذكرنا من الطاعات والواجبات، وإنما يبدل نعمة الله كفرا ويستخدم النعمة في غير طاعة الله، وما يعنيه فخر بالأحساب ومباهاة وعلو على الخلق، أو إهمال التقوى اتكالا على الحسب…

كما أن على المسلم اعتقاد أن نسبهم أشرف النسب في الدنيا، وإذا كان الله عز وجل قد قال: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ ) فنسبه صلى لله عليه وسلم ونسب آله أشرف النسب وأعلاه في العرب والعجم .

قال ابن كثير رحمه الله: ولا ننكر الوصاية بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم واكرامهم ، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً ، ولاسيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه ، وعليّ وأهل بيته وذريته رضي الله عنهم أجمعين.

4- ومن حقوق آل البيت: الصلاة عليهم ضمن الصلاة على سيدهم صلى الله عليه وعلى أزواجه وآل بيته وذريته وسلم، فعن أبي حميد الساعدي أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: ( قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ )   متفق عليه.

قال ابن القيم رحمه الله: "…وأيضا فإن الصلاة على النبي حق له ولآله دون سائر الأمة، ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الشافعي رحمه الله وغيره كما سيأتي، وإن كان عندهم في الآل اختلاف، ومن لم يوجبها فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها أوْ لا يستحبها لسائر المؤمنين أو لا يجوّزها على غير النبي وآله، فمن قال إن آله في الصلاة كل الأمة فقد أبعد غاية الإبعاد… وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه.

 وأيضا فإن الله سبحانه أمرنا بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه وما خصه به دون أمته من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمّة بعده، ومن سائر ما ذكر مع ذلك من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله، ثم قال تعالى: { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن وخلوتهم بهن، ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم مستفتحا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه، فسأل الصحابة رسول الله على أي صفة يؤدون هذا الحق، فقال: قولوا: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها؛ لأن ذلك مما تقر به عينه ويزيده الله به شرفا وعلوا صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.ا.هـ

وقال ابن تيمية رحمه الله: "على تقدير وجوب الصلاة على آل محمد فهذه الصلاة لجميع آل محمد، لا تختص بصالحيهم فضلا عن أن تختص بمن هو معصوم، بل تتناول كل من دخل في آل محمد كما أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات يتناول كل من دخل في الإيمان والإسلام، ولا يلزم من الدعاء للمؤمنين عموما ولا لأهل البيت عموما أن يكون كل منهم برا تقيا، بل الدعاء لهم طلبا لإحسان الله تعالى إليهم وتفضله عليهم، وفضل الله سبحانه وإحسانه يطلب لكل أحد، لكن يقال: إن هذا حق لآل محمد أمَر الله به ولا ريب أنه لآل محمد صلى الله عليه وسلم حقا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة مالا يستحقه سائر بطون قريش كما أن قريشا يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل، كما أن جنس العرب يستحق من المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم …"

     

 والأمر بالصلاة عليهم والتسليم عليهم فيه تشريف لهم، وتعظيم ودعاء لهم برفع المنزلة وبلوغ الدرجات العالية في الآخرة.

ولما كانت الصلاةُ عليهم دعاءً لهم، فإن الملائكة تدعو لمن يصلي عليهم وتقول: آمين ولك بمثل، فيناله وينال أهلَه صلاةُ الملائكة إن شاء الله، "فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : (دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ) ، فما بالنا إذا كان هذا الأخ ممن أمرنا بالصلاة عليه؟

5- ومن حقوقهم حقهم في خمس الخمس والغنيمة، وأنهم يُكفَون إذا لم يوجد ذلك، قال ابن تيمية رحمه الله: ((وثبت عنه أن ابنه الحسن لما تناول تمرة من تمر الصدقة قال له : ( كخ ، كخ ، أما علمت أنا آل البيت لا تحل لنا الصدقة ) ، وقال : (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)  وهذا والله أعلم من التطهير الذي شرعه الله لهم ، فإن الصدقة أوساخ الناس، فطهرهم الله من الأوساخ، وعوضهم بما يُقِيتُهم من خمس الغنائم، ومن الفيء الذي جعل منه رزق محمد حيث قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وغيره : ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يُعبَدَ اللهُ وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم) ، ولهذا ينبغي أن يكون اهتمامهم بكفاية أهل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة أكثر من اهتمامهم بكفاية الآخرين من الصدقة ، لا سيما إذا تعذر أخذهم من الخمس والفيء ، إما لقلة ذلك ، وإما لظلم من يستولي على حقوقهم ، فيمنعهم إياها من ولاة الظلم ، فيعطون من الصدقة المفروضة ما يكفيهم إذا لم تحصل كفايتهم من الخمس والفيء، وعلى الآخذين من الفيء من ذوي القربى وغيرهم أن يتصفوا بما وصف الله به أهل الفيء في كتابه حيث قال : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ …(7) } الآيات .

فجعل أهل الفيء ثلاثة أصناف: المهاجرين ، والأنصار ، { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) }، وذلك أن الفيء إنما حصل بجهاد المهاجرين والأنصار وإيمانهم وهجرتهم ونصرتهم ، فالمتأخرون إنما يتناولونه مخلفا عن أولئك ، مشبها بتناول الوارث ميراث أبيه، فإن لم يكن مواليا له لم يستحق الميراث ، ( فلا يرث المسلم الكافر )، فمن لم يستغفر لأولئك بل كان مبغضا لهم خرج عن الوصف الذي وصف الله به أهل الفيء ، حتى يكون قلبه مسلما لهم ، ولسانه داعيا لهم ، ولو فرض أنه صدر عن واحد منهم ذنب محقق فإن الله يغفره له بحسناته العظيمة ، أو بتوبة تصدر منه ، أو يبتليه ببلاء يكفر به سيئاته ، أو يقبل فيه شفاعة نبيه وإخوانه المؤمنين ، أو يدعو الله بدعاء يستجيب له. )) .

وثبت في السنة عن عبد الرحمن بي أبي ليلى قال: (سمعت عليا رضي الله عنه يقول: ولاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس الخمس، فوضعته مواضعَه حياةَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحياة أبي بكر، وحياة عمر، فأتي بمال فدعاني، فقال: خذه، فقلت: لا أريده، قال: خذ، فأنتم أحق به. قلت: قد استغنينا عنه. فجعله في بيت المال) رواه أبو داود.

قال الإمام ابن قدامة :" فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِذَوِي الْقُرْبَى الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .

قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إنَّمَا لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ ، فَأَمَّا التَّطَوُّعِ ، فَلَا .

وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ أَيْضًا ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ"، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ…

وقد يمكن الاشتراك في مثل التكافل الاجتماعي الذي يعطى منه المحتاجون منهم – نسأل الله العافية-، مثل النقابات والجمعيات…، وذلك دفعا لحاجتهم، وخروجا من خلاف جواز أخذهم من غير الفريضة.

وكان أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يعظم أهل البيت كثيرا ويتقرب بالإنفاق على المتسترين منهم والظاهرين حتى قيل إنه بعث إلى متستر منهم باثني عشر ألف درهم وكان يحض أصحابه على ذلك .

وأخرج ابن أبي الدنيا أن عمر لما أراد أن يفرض للناس قالوا له : ابدأ بنفسك، فأبى وبدأ بالأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي ذلك يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية رحمه الله في فتواه المؤرخة 22/3/1401هـ رقم :1/641 والموجهة إلى الملك خالد بن عبد العزيز، ما مضمونها : أنَّ الواجب سدَّ حاجة أهل البيت أعني بيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهم بنو هاشم، ويدخل فيهم جميع ذرية الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ومن ينتسب إليهم وسائر الأشراف والسادة، وجميع من يثبت نسبه من بني هاشم ، ولا يخفى على جلالتكم أنَّ إكرامهم والإحسان إليهم حق من الحقوق الشرعية ومن تحقيقه كمال محبة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومن كمال الإيمان، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزل مثوبتكم ويديم توفيقكم لما يحبه ويرضاه.

6- ومن حقوقهم أيضا التي سبق بعض الكلام عنها: محبتهم وتوليهم ونصرتهم، روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(والذي نفسي بيده لا يبغضُنا أهلَ البيت أحدٌ إلا أدخلَه اللهُ النارَ) .وعن عائشة قالت : أتى العباس بن عبد المطلب رسول الله  - صلى الله عليه وسلم -  فقال يا رسول الله إنا لنعرف الضغائن فى أناس من وقائع أوقعناها. فقال رسول الله  - صلى الله عليه وسلم -  (أما والله إنهم لا يبلغون خيرا حتى يحبوكم لقرابتى)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أما إن الإيمان لا يدخل أجوافهم حتى يحبوكم لى) .  و قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُصِيبُوا خَيْرًا حَتَّى يُحِبُّوكُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي , أتَرْجُو سَلْهَبٌ شَفَاعَتِي , وَلا يَرْجُوهَا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يبلغوا الخير حتى يحبوكم لله ولقرابتي)

وقال شيخ الإسلام  ابن تيمية رحمه الله: " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ حِسَانٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ مِنْ أَجْلِي )"

وقال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية عن أهل السنة: (ويحبون أهل بيت رسول الله ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال يوم غدير خم : (أذكّرُكم اللهَ في أهل بيتي) وقال أيضا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال : (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، وقال : (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ) ).

وقال شيخ الإسلام أيضا وقد سئل: (فَمَا تُحِبُّونَ أَهْلَ الْبَيْتِ ؟ قُلْت : مَحَبَّتُهُمْ عِنْدَنَا فَرْضٌ وَاجِبٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَم { قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَدِيرِ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَالَ : ( أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ" فَذَكَرَ كِتَابَ اللَّهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : "وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي). )

وقال الإمام ابن عبد الوهاب رحمه الله : (والواجب على الكل منا ومنكم أنه يقصد بعلمه وجه الله ونصر رسوله، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ … (81)} فإذا كان سبحانه قد أخذ الميثاق على الأنبياء إن أدركوا محمداً صلى الله عليه و سلم على الإيمان به ونصرته فكيف بنا بأمته، فلا بد من الإيمان به ولا بد من نصرته، لا يكفي أحدهما عن الآخر، وأحق الناس بذلك وأولاهم به أهل البيت الذي بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض، وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته صلى الله عليه و سلم، والسلام.

وقال القرطبي: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله وإبرارهم وتوقيرهم ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأنهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها وفروعه التي نشؤوا عنه، كما قال : (فاطمة بضعة مني) وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يبغضُنا أهلَ البيتِ أحدٌ إلا أدخله اللهُ النارَ) .أ.هـ

وقد روى البخاري بإسناده إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ( ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ) وقال البيهقي: "ودخل في جملة محبته صلى الله عليه وسلم حبُّ آله".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لقي الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبّل بطنك، فاكشف الموضع الذي قبّله حتى أقبله. قال : وكشف الحسن فقبله.

وأتى زينُ العابدين ابنَ العباس فقال له: مرحبًا بالحبيب ابن الحبيب. ودخلَتِ فاطمة بنت عليّ على عمر بن

عبد العزيز وهو أمير مكة، فبالغ في إكرامها وقال: واللهِ ما على ظهر الأرض أهلُ بيت أحب إليّ منكم، ولأنتم أحب إليّ من أهلي.

قال الآجري رحمه الله: "واجب على كل المسلمين محبة أهل بيت رسول الله ، وإكرامهم واحتمالهم، وحسن مداراتهم، والصبر عليهم، والدعاء لهم".

(فالواجب نحو أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: [محبتهم وتوليهم، وإكرامهم لله ولقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإسلامهم وسبقهم وحسن بلائهم في نصرة دين الله، وغير ذلك من فضائلهم، فاحترامهم ومحبتهم والبر بهم  من توقيره صلى الله عليه وسلم واحترامه، وامتثالا لما جاء في الكتاب والسنة من الحث على ذلك، قال تعالى: { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.]) 

وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن الثقة أنه قال كان العباس بن عبد المطلب إذا مر بعمر بن الخطاب أو بعثمان بن عفان وهما راكبان نزلا حتى يجاوزهما إجلالا لعم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمشي وهما راكبان.

وإن من أبلغ الرد على الروافض، وأحسمه وأخصره ويغني عن كثير من الكلام، وهو الرد عليهم بقوله سبحانه: {إن شانئك هو الأبتر}، وشانئ آل بيته شانئ له، فهل كان أبو بكر أبتر أو كان عمر أبتر ، وقد سادت دولته الأمم؟ ومن إعجاز هذه الآية أن الفرقة التي انقرضت من الفرق المخالفة لأهل السنة هي فرقة النواصب؛ ذلك لأن شانئ أهل بيته شانئ له صلى الله عليه وسلم فيكون أبتر، وعلى قدر اهتمام العبد بآل البيت وحبهم له يكون بعيدا عن هذا الوعيد إن شاء الله.

7-* ومن حقوقهم أيضا تقديمهم في الأمور العظيمة، وتصديرهم في المسائل ذات الشأن: ففي قصة نزول قوله تعالى: { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61)}، (آل عمران)، روى مسلم عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي.) وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا فَقَالَ: (ادْعُوا لِي عَلِيًّا) فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ  }دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي). ( وعادة العرب عند المباهلة أن يخرج الرجل بأحب الناس وأقربهم إليه للمباهلة، فإخراجهم تشريف لهم وبيان لمنزلتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانتهم وقرم منه، وبالتالي منزلتهم الرفيعة ومكانتهم العظيمة عند ربهم

 عز وجل) .

وفي أمر الاستسقاء، روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْنَ" وعند ابن حبان أن العباس قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد تَوَجَّهَ القومُ بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الحبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس". 

فهذا عمر رضي الله عنه ومعه عدد من العشرة المبشرين بالجنة وبقية الصحابة استسقوا بالعباس، وقد فهم العباس ما قصدوه من هذا الاستسقاء، وهو التوجه به لمكانه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يستسقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم مع بقاء جسده الشريف، وكذلك لم يستسقوا بقبر حمزة رضي الله عنه وهو بلا شك أفضل من العباس، فكان ذلك إجماعا منهم على هذا الاستسقاء بمن هو ذو مكان من النبي صلى الله عليه وسلم من الأحياء، دون الاستسقاء بالأموات. قال ابن تيمية: "وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ الشَّدَائِدُ - كَحَالِهِمْ فِي الْجَدْبِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَالِاسْتِنْصَارِ - يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَغِيثُونَهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ . فَتَوَسَّلُوا بِالْعَبَّاسِ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَكَذَا تَوَسَّلُوا بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ وَشَفَاعَتِهِ".مجموع الفتاوى ج 27، وقال ابن تيمية أيضا: (ثُمَّ لَمَّا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ قَالَ : " اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا " فَيُسْقَوْنَ . وَهَذَا دُعَاءٌ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مَعَ شُهْرَتِهِ وَهُوَ مِنْ أَظْهَرَ الإجماعات الإقرارية).الفتاوى ج1

 وهم جميعا خير من العباس دينيا، و وإنما فعلوا ذلك لمكانه من النبي صلى الله عليه وسلم كما قال هو رضي الله عنه، ولا يقال إن عليا كان موجودا وهو خير من العباس، وهو من آل البيت، فإن العباس أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالعباس عم وعلي ابن عم. وإنما فعلوا ذلك تقربا إلى الله عز وجل بالمودة في القربى، وأخذا بهذا الثقل.

((يقول العلامة شبلي النعماني في كتاب ( الفاروق) حول عنوان ( رعاية الحقوق والآداب بين الآل والأصحاب):  إن عمر رضي الله عنه لم يكن يبُتُّ برأي في مهمات الأمور قبل أن يستشير عليا رضي الله عنه الذي كان يشير عليه بغاية من النصح ودافع من الإخلاص…

كان علي رضي الله عنه المستشار الأول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عمر يستشيره في الأمور الكبيرة والصغيرة  ، وقد استشاره حين فتح المسلمون بيت المقدس، وحين فتحت المدائن, وعندما أراد عمر التوجه إلى نهاوند وقتال الفرس ، وحين أراد ان يخرج لقتال الروم ، وفي موضوع التقويم الهجري، وغير ذلك من الأمور . وكان علي رضي الله عنه طيلة حياة عمر مستشارا ناصحا لعمر خائفا عليه، وكان عمر يحب عليّا، وكانت بينهما مودة ومحبة وثقة متبادلة، ومع ذلك يأبى الناس إلا أن يزوروا التاريخ، ويقصوا بعض الروايات التي تناسب أمزجتهم ومشاربهم ، ليصوروا تلك فترة الخلفاء الراشدين عبارة عن أن كل واحد منهما كان يتربص بالآخر الدوائر لينقض عليه، وكل أمورهم كانت تجري من وراء الكواليس.

يقول الدكتور البوطي إن أبرز ما يلاحظه المتأمل في خلافة عمر ذلك التعاون المتميز الصافي بين عمر وعلي رضي الله عنهما فقد كانا علي هو المستشار الأول لعمر في سائر القضايا والمشكلات وما اقترح علي على عمر رأيا إلا واتجه عمر إلى تنفيذه عن قناعة، وحسبك في ذلك قوله: لولا عليّ لهلك عمر.

أما علي فقد كان يمحضه النصح في كل شؤونه وأحواله، وقد رأيت أن عمر استشاره أن يذهب بنفسه على رأس جيش لقتال الفرس، فنصحه نصيحة المحب له الغيور عليه والضنين به أن لا يذهب، وأن يدير رحى الحرب بمن دونه من العرب وهو في مكانه، وحذره من أنه إذا ذهب فلسوف ينشأ وراءه من الثغرات ما هو  أخطر من العدو الذي سيواجهه)) .

وأخرج الخطيب أن أحمد بن حنبل رضي الله عنه كان إذا جاءه شيخ أو حدث من قريش أو الأشراف قدمهم بين يديه وخرج وراءهم.                                                                                                        

8-* ومنها: تولي الصالحين منهم ومجالستهم والأخذ عنهم، والبرّ بهم وتطييب خواطرهم؛ فإنهم من آثار النبي، ومحاولة القرب منهم، ومصاهرتهم تزوجًا أو تزويجًا.

إلى غير ذلك من الحقوق، ومن أراد أعظم تطبيق واقعي لإعطاء آل البيت حقوقهم والاهتمام بهم؛ فلينظر في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجد أعظم التطبيق، مما عاد على الأمة بأعظم الأثر والخير في الداخل والخارج، وفتح العرب بلادا وممالك هي الكبرى في ذلك الزمان، وعم الخير العظيم، فقد استتمت الفتوحات في عصره، وتهاوت تحت سنابك خيوله عروش الكفر والطغيان في فارس والروم ومصر، في فترة واحدة، وذابت دولهم من غير قوة مادية تذكر للمسلمين، تقريبا كما يذوب الدجال أمام المسيح وكما يذوب الملح في الماء، وتوسعت الفتوحات، وحملت إليه الأموال التي لا يحصيها إلا الله عز وجل، وصارت دولته قوية يخشاها الناس كلهم، وأسس دولة منظمة من حيث الدواوين …إلخ ، وما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عبقريا يفري فريّه .

وأنقل جزءا مما ذكره صاحب كتاب: فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، من فصل عقده عن اهتمام عمر بآل البيت وأخذه بهذا الثقل:

يقول: " …فكأنه  يوضح لنا معتقد أهل السنة في أهل البيت من خلال تصرفاته ومواقفه معهم.

…وروى ابن سعد عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين: قدم على عمر حُلل من اليمن، فكسا الناس فراحوا في الحلل، وهو بين القبر والمنبر جالس، والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون له، فخرج الحسن والحسين من بيت أمهما فاطمة رضي الله عنهم يتخطيان الناس ليس عليهما من تلك الحلل شيء، وعمر قاطبٌ صارٌّ بين عينيه، ثم قال: والله ما هنأ لي ما كسوتكم، قالوا: يا أمير المؤمنين، كسوت رعيتك فأحسنت، قال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس وليس عليهما من شيء كبرت عنهما وصغرا عنها، ثم كتب إلى والي اليمن أن ابعث بحلتين لحسن وحسين، وعجِّل، فبعث إليه بحلتين فكساهما ".

وعن أبي جعفر أنه لما أراد أن يفرض للناس بعد ما فتح الله عليه جمع ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بني هاشم رهط رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وفرض للعباس، ثم لعلي، حتى والى بين خمس قبائل، حتى انتهى إلى بني عدي بن كعب، فكتب: من شهد بدرًا من بني هاشم، ثم من شهد بدرًا من بني أمية بن عبد شمس، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض الأعطيات لهم وفرض للحسن والحسين لمكانهما من رسول الله.

يقول العلامة شبلي النعماني في كتاب ( الفاروق) حول عنوان ( رعاية الحقوق والآداب بين الآل والأصحاب): إن عمر رضي الله عنه لم يكن يبت برأي في مهمات الأمور قبل أن يستشير عليا رضي الله عنه الذي كان يشير عليه بغاية من النصح ودافع من الإخلاص، ولما سافر إلى بيت المقدس استخلفه في جميع شؤون الخلافة على المدينة، وقد تمثل مدى الإنسجام والتضامن بينهما حينما زوّجه علي رضي الله عنه من السيدة أم كلثوم التي كانت بنت فاطمة رضي الله عنها، وسمى أحد أولاده عمر، كما سمى أحدهم أبا بكر وسمى الثالث عثمان، ولا يسمي الإنسان أبناءه إلا بأحب الأسماء وبمن يرى فيهم القدوة المثالية.أ.هـ.

ولعل المرء كلما طالع سيرة السلف وجد أن تلك الفترة خير من أخذ بالوحي والعتـرة، فعلينا أيضا أن نأخذ بالوحي والعتـرة بأخذ خير فترة. وألا يقتصر أمرنا على مجرد فهم الوحي كما فهموه، بل كما قال الله عز وجل: { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي) ، وألا يقتصر هذا الأخذ – بعد الفهم- على الكتاب والسنة؛ لأنهما معًا هما الثقل الأكبر، بل يجب علينا طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالثقل الأصغر  أيضًا، وذلك الثقل هو آل البيت، وذلك برعاية حقوقهم، والاهتمام بشأنهم وخطرهم، لا على أن ذلك مجرد أمر شرعي ضمن أوامر الدين نؤديه؛ ولكن على أنه ثاني اثنين هما الثقلان اللذان تركهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما معا الإسلام، لا واحد منهما دون الآخر، ولا غنى لنا بأحدهما عن الآخر، ومن يغفل عن أحدهما فحاله الآن في الأوطان مشهود.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته