ربوا ناشئتكم على محبة النبي صلى الله عليه وسلم

ربوا ناشئتكم على محبة النبي صلى الله عليه وسلم

د/ محمد الدويش

من أُسس عقيدة المسلمين محبة النبي – صلى الله عليه وسلم -؛ فلا يؤمن أحد حتى تتحقق لديه محبة النبي – صلى الله عليه وسلم -، بل حتى تكون هذه المحبة في أعلى مرتبة؛ فقد قال – صلى الله عليه وسلم -: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) [1].

وعن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنتَ أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ( لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك ) . فقال له عمر: فإنه الآن واللهِ لأنتَ أحبَّ إليّ من نفسي، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ( الآن يا عمر! ) [2].

إن محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – ليست محل خلاف بين المسلمين، والتفاوتُ بينهم إنما هو في قدر هذه المحبة وآثارها.

ولما وقعت بعض طوائف المسلمين فيما نهى عنه – صلى الله عليه وسلم – من الغلو والإطراء، وإنزاله فوق منزلته التي أنزله الله إياها؛ واجه أهـل السـنة ومحبـو النـبي – صلى الله عليه وسلم – هذا الخلل والانحراف، وأكدوا على وجوب الاعتدال في الاعتقاد المتصل بالنبي – صلى الله عليه وسلم -، وعلى أن المحبة الحقيقية له – صلى الله عليه وسلم – لا بد أن يظهر أثرها على الجوارح، وعلى اتِّباع سنته والتأسي به – صلى الله عليه وسلم -.

لكن ذلك قاد إلى الخلط لدى بعض المنتسبين لأهل السنة بين محبته – صلى الله عليه وسلم – وبين لوازمها؛ فجعلوا المحبة هي اللوازم، وأدى ذلك لدى بعضهم إلى التقليل من الحديث عن محبته – صلى الله عليه وسلم – وبيان منزلته، وحين يأتي الحديث عن ذلك يأتي عاجلاً مُبْتَسَراً يعقبه التأكيد على أن المحبة تعني اتِّباع السنة والتأسي به – صلى الله عليه وسلم -.

 

إن الارتباط بين المحبة والاتِّباع والتأسي ليس محل جدل، والتأكيد على ذلك أمر مطلوب، لكن ينبغي ألا يقود هذا إلى إهمال شأن المحبة التي هي عملٌ قلبي، والتأكيد عليها وبيان صلتها بالإيمان بالله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -.

تحدثت في إحدى ليالي رمضان عن محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – وعن منزلته وشمائله، وحاجتنا إلى تعريف الناشئة به – صلى الله عليه وسلم – وبأخـباره وحـياتـه، فاسـتدرك عليَّ أحـد الأفـاضـل أني لم أنـبـه إلى أن المحبـة تعـني اتِّبـاع السـنَّـة والـتأسي، ولِمَ لم أُشِرْ إلى انحراف الغـلاة في حقه – صلى الله عليه وسلم -؟ فقلت له: مع اتفاقي معك؛ إلا أني تعمدت ذلك؛ لأننا بحاجة للتأكيد على المحبة القلبية والاعتناء بها!

إن المربـين بحـاجة ماسة إلى الاعتناء بتنمية محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – لدى الناشئة وبنائها في نفوسهم؛ فإن الجيل حين يحب محمداً – صلى الله عليه وسلم – سيسعى للتعرف على سيرته وأخباره، ويسعى إلى التعرف على أخلاقه وشمائله فيتأسى به، وإلى التعرف على سنته فيلتزم بها.

كما يقوده ذلك إلى الدعوة إلى سبيله، وإلى نُصرته والذبِّ عنه – صلى الله عليه وسلم -.

وهذا له أثـره على إدراك العـبد لـذة الإيـمان وحلاوته، كما ثـبت عنـه – صلى الله عليه وسلم -: ( ثلاث من كنّ فـيه وجـد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف فى النار ) [3].

اللهم ارزقنا محبة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم -، واجعله أحبَّ إلينا من والدينا وأولادنا وأزواجنا، وارزقنا اتباع سنته والتأسي بهديه، واحشرنا تحت لوائه وفي زمرته.

__________________________

[1] أخرجه البخاري (15)، ومسلم (175).

[2] أخرجه البخاري (6632).

[3] أخرجه البخاري (16)، ومسلم (174).