خاطرة في نصرة أمنا عائشة

خاطرة في نصرة أمنا عائشة

الدكتور / سعد بن مطر العتيبي

( سنة الابتلاء وبركة آل أبي بكر )

 منذ بدأت قناة ( صفا ) السنية حملتها الرمضانية المبكرة ، التي بدأت قبل مرور عشية وضحاها على جناية روافض لندن باحتفالهم بموت أم المؤمنين ، وأنا أجدني عاجزا عن كتابة شيءٍ يرضي ضميري تجاه أم المؤمنين ، العالمة الحافظة الرواية ، التي ولدت في الإسلام وماتت في الإسلام ، التي اختارها الله منذ صباها زوجاً لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ..

لكنني وجدت أن خاطرة ما ، مهما كانت قصيرة ، قد تزيح عن نفسي شعور القصور الهائل تجاه هذه الحَصان الرزّان التي برّأها الله من إفكٍ تفتقت عنه عقلية النفاق الذي كان محاصراً بتزايد المؤمنين ..

هل يكفي أن نستعرض صوراً من ( الابتلاء ) للمؤمنين رجالاً ونساءً ، حتى نعي شيئا من حكمة الله في وجود الشاتمين والقادحين الذين يبغونها عوجا ؟

أيكفي أن نتذكر ابتلاء نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام بتهمة فارغة برّأه الله منها ونصّ عليها في آواخر سورة الأحزاب ، وهي فرية كان مقصودها - كما هو شأن مقصود فرية الإفك الذي برّا الله منه أمَّنا عائشة في سورة النور - الصدّ عن سبيل الله ، والتشكيك في النموذج الإيماني الأرقى بأي تهمة ، سواء كانت قاسية قسوة الحديث في العرض بل أعظم عرض ! أو كانت فرية حيرى لم تجد لها مجالا للرواج لولا أنها تتحدث عن عيب ما تحت الثياب ، ظنّوا أنَّه سيبقى مخفياً بالستر والحياء ؛ فيشاء الله أن ينكشف لباس نبي الله موسى مع تحري الستر وشدّة الحذر ، ليهرب الثوب ويتباعد عن صاحبه مستقلاً ظهر الحجر بقدرة الله ، فيناديه موسى وهو يجري خلفه بدهشة : ثوبي يا حجر ، ويستقرّ الحجر بعد أن تطلعت عيون من تشبعوا بالتهمة دون تثبت ، ليبادروا النظر محلّ العيب المفترى .. وليبادر نبي الله موسى بالانتقام منه في ظل الدهشة ، بضربات أحدثت فيه ندبات من قوة نبي الله وشدّة خجله وحيائه .. يا إلهي ! إنَّها البراءة التي يرعاها الله بحكمته ولطفه ..

هذه الفرية وكشف الله لها في الملأ حملت رسالة الله في الموقف من مثل هذه التهم التي لا تكاد تفارق عاملا للدين وخادما لشريعة رب العالمين : { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرّأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها }.. ومن هنا جاءت الآية التي لا تملك وأنت تتلوها بتمعن إلا أن تكفكفك دمعك ، فموسى من أولي العزم وهو عند الله وجيه ، ولم تجامله السنة الإلهية في ابتلاء المؤمنين ، فمن الشأن بغيره ؟! ويأتي الدرس للمؤمنين ، وكأنه مما لا يعيه غير المؤمنين { لا تكونوا كالذين آذوا موسى }.. إنَّ السب والشتم والقدح في الأطهار خلق يهودي منحرف ، فلا تكونوا أتباعاً لليهود في طباعهم المشينة ..

هذا الدرس لم يستوعبه المنافقون ، ولا من سمع لهم فيما سمع ، فضلاً عن فئة السَّمَّاعون لهم .

هذا الدرس لم يعرفه الرافضة ، الذين يستكثرون على نسائهم تهمة المتعة التي يرون فضيلتها ، بينما يحتفلون بتهمة الطاهرة التي برّأها الله ! إنَّه خلق اليهود المنحرف تطبيقه أسوء طوائف أهل القبلة .

 وأمَّا الموقف الذي شاهدته البارحة فموقف يخزي أتباع الشَّتَمة فضلا عن المحتفلين بالشتم .. فالبارحة كنت أشاهد تقريرا تضمن لقاءات مع عدد من أهلنا في مصر وهم يعبرون عن دعمهم لحملة نصرة أمنا عائشة رضي الله عنها في قناة صفا ، وتنقل اللقاء بين الناس حتى وصل رجلا شدّني كثيرا وهو يقول : أنا مسيحي ، وأنا متضامن مع حملة الدفاع عن عرض النبي محمد ! إي وربي لقد قالها ! قلت : سبحان الله ! حتى هذا النصراني كان أشرف مدّعي حبّ آل البيت وأكثر حمية من بعض أهل السنة .

أقول هذا وأنا أفرق بين الرافضة والشيعة ، وبين المؤمنين بأصولٍ تناقض الإسلام كالإثني عشرية ، وبين عوام الشيعة ممن لا يعرفون من التشيع غير أمور يرونها مندرجة ضمن دعوى حبّ آل البيت .. وهل عائشة إلا القلب الشاب النابض في بيت النبوة ..

ثم تذكرت أقواماً من بني جلدتنا ، ينتسبون لأهل السنة ، ممن سوّدوا الصحف وملؤا الفضاء ضجيجا في الدفاع عن رموز يخدمون منهجهم أو أهواءهم ، ويتكلفون نفي ما يثبته أولئك بأنفسهم .. بينما تجدهم أبرد من اللحم المستورد في نظرتهم لسب أم المؤمنين ، ولا عجب فقد وجدنا منهم من يسوّغ الصمت عن مجرمي الصليبيين من أهل الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وآله ولجميع أزواجه رضوان الله عليهن ..

 ومما شدّني في حملة أهل السنة في الدفاع عن أمنا عائشة رضي الله عنها ، سواء منها ما كان على المستوى الرسمي كما جرى في الكويت والبحرين ، أو على المستوى الشعبي كما نرى في حملة القنوات الفضائية المستقلة المتضامنة في الحملة ، أو على مستوى الأفراد كما رأينا في رفع الدعاوى من أهل المحاماة وفي اتصالات الجماهير ..

إنَّها حملة مأجورة ، وهي في الدفاع عن حقوق أكثر النساء رواية للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فأين دعاة حقوق المرأة من هذه التظاهرة التي سببها شتم امرأة بحسب دعاوى الدفاع عن المرأة ؟

أرأيتم كيف هبت أمة في نصرة امرأة ماتت منذ بضعة عشر قرنا ؟! رضي الله عنها ..

وفي ظني أن هذه الحملة ستفسر عن اهتداء كثيرين - وقد وقع شيء من ذلك - فضلا عن تصحيح مفاهيم عوام الشيعة ممن لا يعلمون بمكر أسيادهم وكبرائهم ..

وقد جرت بيني وبين بعض الشيعة المعتدلين مراسلة تؤكد ذلك ..

وها هي بركة آل بكر تمتد عبر التاريخ ، ليتراكم بها خير عظيم ، في كشف أهل الباطل ، وبيان منهج الحق { لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم } ! وحق لنا أن نردد ونحن نرى تداعي بعض عقلاء القوم نحو التهدئة تقية لا توبة : { قل موتوا بغيظكم } ..

وهو أمر يكشف الله به الحقائق ، فبئست عقيدة يتعبد أتباعها بسب الصالحين وشتم أمهات المؤمنين .. ومنهج القرآن أن لا يسبّ من يستحق السبّ إذا احتمل أن يؤدي للسبّ { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } .. فكيف بمن يحرم سبّه أصلاً ؟!

 رضي الله عن أمنا عائشة تلك المرأة العظيمة التي بلغت مكانتها في عصر الصحابة حدّ الضغط عليها للخروج من المدينة لوجاهاتها ومكانتها ، قصد الصلح بين طائفتين من المؤمنين .

وأخيرا رضي الله عن أمنا عائشة حبيبة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه يناديها مرخّماً اسمها حباً ولطفاً ومودة : ( يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام ) فتقول : ( وعليه السلام ورحمة الله وبركاته )

( والترخيم أسلوب نداء يندرج في اللغة الرومانسية بتعبير الناس اليوم ) .. وهو قربة لمن نوى التقرب به في نداء زوجه ..

والحديث عن أم المؤمنين ذو شجون ، فرضي الله عنها , وعن أبيها ، وعن جميع الصحابة ، ورضي عن كل من ساهم في نصرتها ..

  وصلى الله وسلم على زوجها ورزقنا شفاعته والسقيا من حوضه .. آمين