أين نحن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟!

أين نحن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟!

إن علو الهمم شيء أساسي في بناء الأمم، فرجل ذو همة يحيي الله به أمة، وإن الناظر إلى حياة الصحابة رضوان الله عليهم ليجد في علو همتهم وعزمهم وقوة إيمانهم ما يدعو للعجب، فلذلك مكن الله لهم في الأرض وأيدهم بنصره، وما صارت الأمة الإسلامية اليوم إلى هذه الدرجة من الضعف والذل وتسلط الأعداء؛ إلا بسبب دناءة الهمم وخستها في جميع مجالات الحياة، فإذا أردنا أن نرفع هذا الذل عن أمتنا؛ فعلينا أن نرجع إلى سير أسلافنا وننشرها في مجتمعاتنا؛ لأن في نشر سير مثل هؤلاء الأبطال دعوة إلى علو الهمة ونشر الفضيلة.

الولاء والبراء  

إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام: إن الولاء والبراء روح الإيمان، وولاؤك لله ورسوله والمؤمنين فريضة، وبراءتك من أعداء الله ورسوله والمؤمنين فريضة أيضاً، فأهل الفساد هم أهل السلطان، وأهل الشوكة في غالب الأزمان يطارودنك ويضطهدونك، وهذه ضريبة معجلة يدفعها أهل الإيمان. ......

علو الهمة خلق أسلافنا

سأل سائلٌ فقال: كلما قرأت في تراجم أسلافنا في جدهم وعزمهم وقوة إيمانهم، وأردت أن أقلدهم فيما يفعلون أفشل، وأنا صادق في الطلب، لست بمراءٍ، أريد أن أقتفي أثرهم، لكنني أرجع مثل موجٍ منكسرٍ أو جيش منهزم.. فما هو الفرق؟ ولماذا أرجع منهزماً، وهم يظفرون الجولة بعد الجولة؟! نقول: اعلم -أيها المحب- أن الفارق هو علو الهمة، فعلو الهمة يورثك طول النفس، وقد كان أسلافنا كلهم أصحاب همم عالية. كان الشيخ سعيد الحلبي -وهو قريب العهد منا- يلقي درسه في مسجدٍ بدمشق، فدخل عليه إبراهيم باشا الكبير وكان الشيخ ماداً رجله وهو يلقي الدرس، فدخل إبراهيم باشا فلم يغير الشيخ هيئته، فتألم إبراهيم وكظم غيظه وانصرف، ثم أرسل له بألف ليرة ذهبية، فرد الشيخ الحلبي هذه الدنانير الذهبية ومعها رساله قصيرة يقول فيها: (إن من يمد رجله لا يمد يده). إذاً: مد رجله كان مقصوداً، فهكذا عزتهم بالعلم، ما كانوا يطمحون لدنيا؛ فما فُل شيءٌ من عزمهم ولا كُسِرت شوكتهم. لكن خساسة الهمم غزت كل مجالات حياتنا، ولنضرب لذلك مثلاً: ما نشر في جرائدنا الرسمية وغير الرسمية: مأتم وعويل.. لماذا؟ لمصرع أشهر زانيةٍ في القرن العشرين! أهلكها الله عز وجل، فقامت الصحف وصدرت الصفحات الأولى عن حياتها ومآثرها. ومن المبكي حقاً: أنه في اليوم الثالث من ربيع الثاني، سنة ألف وأربعمائة وثمانية عشر هجرية، رحل عن دنيانا أحد الأفذاذ الكبار من أساتذتنا، كان نجماً من نجوم الأدب والدفاع عن الإسلام في مصر والعالم كله على مدار ستين عاماً: الشيخ الإمام الكبير العلم -طيب الله ثراه، وسقا جدثه- الشيخ أبو فهر محمود محمد شاكر رحمه الله. هذا الرجل الفذ مات ولم يحرك الإعلام ساكناً، برغم أنه كان نجم الأدب، وكانت له قناةٌ لا تلين، فقد ترك الجامعة، ليرد على أستاذه طه حسين في مزاعمه في الشعر الجاهلي، وكان طه حسين أستاذ محمود شاكر ، فترك الجامعة ليرد عليه، ورد عليه وانتصف منه سنة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، والرجل يكتب ويدافع، ووقف وقفةً بطولية ضد من سموه أستاذ الدين: أحمد صبحي السيد ، وعبد العزيز فهمي ... وغيرهم. هؤلاء أرادوا أن يحولوا اللغة العربية إلى اللغة العامية، وأن يستبدلوا الحروف العربية بالحروف اللاتينية، فوقف ضد هؤلاء وقفة شامخة، وكان كالجبل الأشم، ورحل الشيخ محمود شاكر ولم يحرك الإعلام ساكناً حتى وزارة الثقافة -الذي هو يعتبر رأسها، وهو الذي زانها- لم تنع الرجل، وهو لا يحتاج إليها بطبيعة الحال. وزارة الثقافة لم تدفع له ثمن الكشف، بل وزارة الثقافة في الكويت هي التي دفعت تكاليف الكشف في غرفة الإنعاش وغرفة العناية المركزة لهذا العالم. عقوق مستمر وجحود للكبار. عش مجبراً أو غير مجبر فالخلق مربوطٌ مقدر والخير يهمس بينهم ويقام للسوءات منبر هكذا يقال: (للسوءات منبر)، أما الخير فيهمس به بينهم، فيموت الرجل ويرحل عن دنيانا، ولا أحد يذكره! هكذا فليكن العقوق، هكذا فليكن الجحود ونكران الجميل! لكن الرجل -أحسبه والله حسيبه- ما كان يرجو من هؤلاء مدحاً ولا جزاءً ولا شكوراً، لكن هذا نمط يغزو حياتنا كلها، عقوق لعلمائنا وجحود لفضلهم. ......

دناءة الهمم                

امرأة تعترف بالخيانات، ويجري وراءها الذين أخلدوا إلى الأرض، وصرعهم الملك الذي لا يبقى إلا وجهه، وتصرمت عنهم الدنيا والشهرة التي أهلكتهم. كل حيّ سيموت ليس في الدنيا ثبوت حركات سوف تفنى ثم يتلوها خفوت وكلامٌ ليس يحلو بعده إلا السكوت أيها التاجر قل لي أين ذاك الجبروت كنت مطبوعاً على اللطـ ـف فما هذا الصموت ليت شعري أهمود ما أراه أم قنوت أين أملاك لهم في كل أفق ملكوت زالت التيجان عنهم وخلت تلك التخوت أصبحت أوطانهم من بعدهم وهي خبوت لا سميع يفقه القو ل ولا حي يقوت عمرت منهم قبورٌ وخلت منهم بيوت خمدت تلك المساعي وانقضت تلك النعوت إنما الدنيا خيالٌ باطلٌ سوف يفوت ليس للإنسان فيها غير تقوى الله قوت {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:205-207]. هذا الشاب الذي صرع خلف المرأة العاهرة أعطاها في حفل العزاء الأخير خاتم من الماس بمليون جنيه، والله أعلم هل خطر بباله أن يؤدي الزكاة المفروضة على المليارات أم لا، إنما البكاء على خساسة الهمم! إن أسلافنا ولدوا وهم ينظرون إلى السماء، فتعلقت أنظارهم بالثريا، وهؤلاء ولدوا وهم ينظرون إلى الأرض، لا يرون إلا شراك النعل وموضع القدم فتعلقت أنظارهم بالثرى: إن الهوان حمار الـدار يألفـه والحر ينكره والفيل والأسد ولا يقيم بدار الـذل يألفهـا إلا الذليلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوطٌ برمته وذا يشج فما يأوي له أحد هذا هو الهوان، خساسة الهمم دخلت في حياتنا حتى في اختيار الزوجة، وهذا الكلام له صلةٌ متينة بموضوعنا في جيل التمكين، ومواصفات هذا الجيل التليد. فلو أن رجلاً ذهب إلى الصحراء، واشترى فيها الفدان الذي لا يزرع بمائة ألف، لقال الناس: مخبول ومجنون، يدفع مائة ألف في فدان لا يزرع؟ فهذا الذي ينكره الناس يقعون فيه إذا ذهبوا ليحضروا الحفل الأسطوري الاستفزازي في بلد أغلب أهله جياع، وينشر على صفحات الجرائد: قطعة الجبن بثلاثمائة دولار -يعني: بألف جنيه- قطعة جبن توضع في سندوتش، قطعة جبن بألف جنيه، وفي هذا الحفل يؤتى بمجموعة من البغال المستوردة بمبالغ باهظة تقدر بخمسة عشر ألف دولار؛ لترفع ذيل فستان العروس، وتغطى نوافذ الصالة بثمانية آلاف متر حرير طبيعي، وجعلوا يعددون أشياء لا تدخل تحت الحصر! المهم أن قيمة الحفل الإجمالية بلغت أربعة ملايين جنيه! فيا ترى هذه المرأة المخطوبة كم مهرها؟ وكم مؤخرها؟ وإذا كان الذي أُنفق على ذلك أربعة ملايين، فيا ترى بكم ذهبُ هذه المرأة. أليس هذا لدفع المال الكثير للأراضي البور، هذه المرأة أليست مثل الأرض البور، ما الذي سيخرج من صلبها؟! يدفع ألوفاً مؤلفة بصدد مثل هذا النمط من النساء الذي ورد في الحديث الصحيح أنه مثل الجرب، المرأة الفاسدة مثل الجرب، فهذا رجل يطلب معاشرة امرأة جرباء، ويدفع فيها كل هذا المال، وإنما هي خسة الهمة في الطلب..! فإذا كان هذا مقياسه في طلب شريك حياته، فما بالك ببقية مجالات حياته. الذي ميز بين الجيل الأول العظيم وبين الأجيال المتعاقبة -كجيلنا مثلاً- هو علو الهمة، فعلو الهمة يطيل نفسك في البذل، وإذا طال نفسك لا يضرك الأذى في الله، ولا يضرك ما فاتك من الدنيا. ......

قصة أصحاب الكهف   

تدبرت قصة أهل الكهف، وأرسلت طرفي فيها مرةً ومرة، فوقفت على بعض المعاني:{ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا }[الكهف:13-14]. إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر الحشيش في الأرض ما يضيره الرياح والبروق والرعود، ولا يتأثر إلا الشجر العالي الطويل القامة، كذلك المحن لا يهتز لها الذين أخلدوا إلى الأرض؛ إنما تصيب القمم وأصحاب الهمم، تأمل في الآيات: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الكهف:13-14]، (إذ قاموا) بعد (ربطنا)؛ لأنه لا يقوم ولا يصبر إلا إذا استقام قلبه؛ فلذلك تقدم ذكر الربط على القلب قبل القيام، والمصائب التي تأتي زرافات ووحداناً لا يتحملها إلا قلبٌ جسور، يستوي معه التبر والتراب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( ما بيتي والسجن إلا واحد ) فعلام ما يأسى؟! هذا من أثر الربط على القلب، ومن الذي ربط؟ الله هو الذي ربط، والذي يربطه ويكرمه لا يحله أحد، فتبارك الذي ربط {لا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256] لا انفصام لهذا الربط. {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا }[الكهف:14] والمدهش أن هؤلاء الفتية كانوا أولاد علية القوم! فسبحان الذي يخرج الحي من الميت، أولاد علية القوم، البيوت الراقية، تنحو وتركوا مظاهر الترف، وآوتهم الهمم إلى كهفٍ، لكن: قطرةٌ من فيض جودك تملأ الأرض ريا ونظرة بعين رضاك تجعل الكافر وليا {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ }[الكهف:16]، كهفٌ خشن لكن لا يحسون بذلك، تركوا الترف والدعة انحيازاً إلى جانب الله عز وجل. وقصة أهل الكهف قصةٌ فريدة؛ لأن هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها مثل هؤلاء الفارين بدينهم دون الأنبياء، قصص القرآن تدور على الأنبياء؛ لأنهم الأسوة والقدوة والمثال، فضُرب المثل بأصحاب الكهف ليقال للناس: لكم فيهم أسوةٌ. لزوم الكهف معناه: الاعتزال. والعزلة في المجتمع الفاسد لا بد منها. والعزلة قسمان: عزلةٌ بالبدن، وعزلةٌ بالقلب، فإذا استطعت أن تخرج من بلدك إذا استعلى فيها العصيان فاخرج، فإن السلف كانوا يفعلون ذلك: خرج بعض العلماء من بلدٍ يسب فيه عثمان رضي الله عنه، وقال: لا أقعد في بلدٍ يسب فيه عثمان ورحل، ونحن نعلم أن انتقال الإنسان من دار إلى دار كم يكلف! لكن إذا عجزت فلا أقل من اعتزال هؤلاء بقلبك، فلا تشاركهم في اهتماماتهم، ولا تعينهم على باطلهم، ولذ بإخوان الصدق. واعلم أن العزلة لها ضوابط، حتى لا يئول الحال أن تعتزل الناس جميعاً فتأتي بأفكار هدامة مثلما حدث لبعض الجماعات المنحرفة: اعتزل ثم بمضي الزمان كفر الناس، وقال: هؤلاء ليسوا بمسلمين؛ لأنهم رضوا بالتحاكم إلى القوانين الجائرة، فأورثته العزلة تكفير المجتمع فهذه عزلة غير محمودة. فعدم فهم العزلة الشرعية أحد الأسباب المفضية إلى ضعف عقيدة الولاء والبراء. وإن الجهل بمراتب الأحكام الشرعية له أثر في وهن عقيدة الولاء والبراء، فهذا الجهل الذي نراه -قد أطبق على المسلمين- هو أحد الأسباب الرئيسية في ضعف عقيدة الولاء والبراء. فالرسول عليه الصلاة والسلام يُسب ويُشتم، ويرسم بالصورة المهينة التي تعلمونها جميعاً، ومع ذلك -كما قلت- لم تصدر أي جهة رسمية أو أي صحيفة استنكاراً على ذلك، ولما ماتت الزانية تكلم ثلاثة رؤساء، ونددوا بالمخابرات البريطانية والفرنسية، وقالوا: إن هذا اعتداء على الحرية الشخصية. فهل الحرية الشخصية تعني الفجور؟! تكلم ثلاثة رؤساء، ونشر كلامهم في الجرائد الرسمية. ولكن عندما يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحركون ساكناً. فانظر إلى هذا التباين لتعلم إلى أي مدى ضعف الولاء والبراء عند المسلمين. علو الهمة في الحيوان يجعل له قيمة، فالأسد قالوا: إنه ملك الغابة.. لماذا؟ لأن الأسد لا يأكل الجيف أبداً، ولا يأكل الطعام البارد على الإطلاق، بخلاف الكلاب، والذباب، فكلما ذبّ الكلب وطرد آب ورجع، وقد جاء في قول القائل: تركت وصالكم شرفاً وعزاً لخسة دائر الشركاء فيه ولا ترد الأسود حياض مـاءٍ إذا كان الكلاب ولغن فيه وتأمل في كلب أهل الكهف، كلبٌ تبع الصالحين فنبل ذكره وعلا قدره، وذكر في كتاب الله المجيد! وهذا كلب تعلق بآدمي يموت، فكيف إذا تعلقت بالحي الذي لا يموت؟! كم يكون قدرك، وكم يكون نبلك! فلماذا نرضى بالدون وخساسة الهمم. الولاء والبراء أن تتولى الله ورسوله، وتتبرأ من الكافرين والفاسقين والمنافقين. ولابد أن تصبر على ما يصيبك؛ لأن أصحاب الولاء والبراء يدفعون الضريبة عاجلة، ولكن الله وعدهم فقال: {وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ }[الزخرف:35]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. ......

صور من حياة السلف في علو الهمة               

الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام: إنني إذا ضربت المثل أحياناً ببعض أهل الكفر، لا أقصد الاحتجاج بهذا المثل، إنما أقصد إثارة الهمم؛ فإن المرء إذا رأى الرجل الدون يرقى وهو خامل؛ عز عليه أن يظل في هذا الخمول، وما أورد مثل هذه القصص في موضع الحجة على الإطلاق، ولا أحتج بهؤلاء، ولا أرفع بهم رأساً على الإطلاق، إنما أرفع الرأس بالقرن الأول، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، القرون الثلاثة المفضلة، التي زكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) . ......

سعد بن معاذ رضي الله عنه     

هناك القلوب لا قيمة لها، لأن كعبتها التي تدور حولها الشهوات، بخلاف الجيل الأول، فقلوبهم من القلوب التي تطوف حول العرش. ومن هذه القلوب: قلب الذكي الذاكي سعد بن معاذ رضي الله عنه. سعد بن معاذ كان رجلاً، بشراً من البشر يمشي على الأرض بقدميه، ولما مات اهتز له عرش الرحمن.. أتصدق؟! يا له من عبد! قيمة هذا العبد: يهتز له عرش الرحمن يوم يموت، له عند الله قدر: (إن العرش اهتز يوم مات سعد) وكان سيداً شريفاً مطاعاً نبيلاً من نبلاء الرجال، محبباً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

أنس بن النضر رضي الله عنه  

ومن هذه القلوب: قلب أنس بن النضر رضي الله عنه. هذا السيد الذاكي صاحب هذا القلب لما كسرت الربيع بنت النضر ثنية جارةٍ لها وأردوا القصاص أبى عليهم أنس ، وقال: ( تكسرون ثنية الربيع ! لا، والله لا تكسر أبداً، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم -والثنية: مقدمة من الأسنان- فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أنس ! كتاب الله القصاص. قال: يا رسول الله! تكسر ثنية الربيع! لا والذي بعثك بالحق لا تكسر أبداً، فليأخذوا الدية. وهم يرفضون ذلك -لا بد من القصاص، لابد أن تكسر سنها- فلا يزال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا أنس ! كتاب الله القصاص. وهو يقول: لا، والذي بعثك بالحق لا تكسر أبداً؛ حتى رضي القوم بالدية. فحينئذٍ يقول صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) يا له من عبد! كم قدره وكم يساوي أن يقسم على الملك الجليل! أن يقسم عليه أن يفعل كذا! فيبر الله قسمه ويفعل. كم يكون قدر هذا العبد!! ولو أن رجلاً لاذ بأعظم أهل الدنيا، فإنه لا يستطيع فعل شيء، فهذا فرعون الجبار ما ملك لنفسه ضراً ولا نفعاً. وهذه الظاهرة ظاهرة التطوس. مثل أن يكون هناك ديك أو دجاجة فيجعل من نفسه طاووساً ومهما صنع فهو من الدجاج، وهذه الظاهرة تسمى ظاهرة التطوس. لكن الملك الجليل أقسم عليه عبدٌ من عباده فأبره، لأن هذا النمط من البشر قلوبهم تطوف حول العرش، لا يطوف القلب حول العرش إلا بعلو الهمة وصدق الإيمان؛ لذلك ندندن دائماً على علو الهمة. من علو الهمة: ألا تنظر حولك، فلو نظرت حولك لاستوحشت بقلة السالكين، ولذلك الله عز وجل منَّ على أهل الكهف لما قال: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا }[الكهف:11] الضرب على الأذن نعمة من الله، لا تسمع الناس؛ لأن أكثر المصائب التي تفتك بالعزم سببها الناس، فالضرب على الأذن نعمة جليلة. فلو كنت ماض فصم أذنك إلا عن نداء الحق، واعلم أن كثرة مخالطة الناس تفتك بالعزم، وبالذات في هذا الزمان، الصدع بكلمة الحق مر وعواقبه وخيمة، لكن يبقى بعد ذلك جلالة الذكر عند الله سبحانه وتعالى. اليوم عندما يريدون أن يلمعوا الزعماء القوميين يعملون المسلسلات والأفلام، وأي إنسان ينظر إلى إنسان من هؤلاء يتمنى أن يكون مثله، بالرغم أنه لا وزن له على الإطلاق، لكنهم لمعوه فقط، وهو لا وزن له.

إبراهيم الحربي

ومن أعلام علو الهمة: أولئك الأفذاذ الذين عاصروا الإمام أحمد والإمام البخاري ، وغيرهم من أئمة الإسلام الذين لا تعرفهم الجماهير. هل أحد منكم سمع بـإبراهيم الحربي؟ إنه الإمام الكبير العلم، صاحب كتاب: (غريب الحديث)، وأحد تلاميذ الإمام أحمد ، وأمتنا تمتاز بكثرة العمالقة! وإذا أردت أن تعد العمالقة الشوامخ في أمتنا تكل من كثرة العد. إبراهيم الحربي رحمه الله رجل صاحب همة عالية. قال: (اشتكيت ضرسي عشرين عاماً، فما شعرت بي أمي ولا امرأتي). مريض مريح، المريض في العادة يكون مزعجاً: تجده يتأوه آه.. آه.. آه.. ويجهد أهله، ولا يكف عن الأنين، يوجع قلب الذين من حوله. وهناك مريض لطيف خفيف، يمرض ولا يشعر به أحد، ما أخبارك؟ الحمد لله، أنا بخير، ويلهج بذكر الله والثناء على الله عز وجل. فـإبراهيم الحربي من هذا النوع، مع أن هناك حديث موضوع، لا أقول عنه حديث، ولكن أقول: إنه كلمة مشهورة وهي حق فعلاً بين الناس: (لا ألم كألم الضرس، ولا وجع كوجع العين) أي إنسان لديه حس حديثي يعرف أن هذا الذي وضعه طبيب، يعني: هذا ليس عليه أنوار النبوة (لا ألم كألم الضرس -انظر إلى هذا الكلام!- ولا وجع كوجع العين) فعلاً: ألم الضرس من أشد الآلام؛ لأن مكانه الرأس، والرأس به السيطرة الكاملة على الجسم، حتى أن الشافعي رحمه الله، لما أراد أن يبين أن وقوف الشريف بباب اللئيم مسألة لا تطاق ولا يقدر عليها؛ جعل يعدد المحالات الممكنة، فذكر منها: وجع الضرس، فقال رحمه الله: لقلعُ ضِرْسٍ وضَرْبُ حبـسٍ ونزْعُ نفسٍ ورَدُّ أمسِ كل هذا مستحيل! وقرُّ بردٍّ وقود فرد ودبْغُ جِلدٍ بِغيرِ شَمسِ ونفْخُ نارٍ وحَمْلُ عارٍ وَبيْعُ دارٍ بربعِ فلسِ كل هذا: أهونُ من وقفةٍ لحرٍّ يرجو نوالاً ببابِ نحسِ وقفة الحر على باب اللئيم أعظم من هذا الذي قاله الشافعي رحمه الله. انظر الهمة العالية في كظم الألم، برغم أنه لو قال: آه، واشتكى ونحو ذلك فهذا مباح، لا شيء فيه، وأن الإنسان إذا عاده عائد فشكا له علته من باب التنفيس، ليس من باب الشكوى، وجاز له ذلك، كما في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: (مرضت بمكة مرضاً أشفيت فيه على الموت -والكلام هذا كان في حجة الوداع- قال: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يعودني. فقلت: يا رسول الله! إنه قد بلغ بي من الألم ما ترى -يشتكي له ويقول له: انظر ما حصل لي، وما وصلت إليه صحتي من التدهور- وعندي مال وأريد أن أوصي به) فذكر المرض ليس على سبيل التشكي والتسخط على قدر الله تبارك وتعالى جائز، ولكن كظمه من باب الندب.

محمد بن واسع 

ومن علو الهمة أيضاً: ما قاله محمد بن واسع رحمهُ الله، محمد بن واسع هذا يعرفه الله، وقل من الناس من يعرفه، لما تقرأ سيرته تبكي على نفسك، هو صاحب الكلمة الشهيرة: ( لو كان للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسني )! وكان محمداً من العباد الزهاد. كان يقول: (إني لأعرف الرجل يبكي عشرين سنة، ورأسه بجانب امرأته ما تشعر امرأته به). يعني: يبكي من خشية الله فتدركه العبرة، فلا تشعر امرأته به، ورأسه بجانب رأسها! يا لعلو الهمة! ولذلك حق لمثله أن يكون في زمرة السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم صلى الله عليه وسلم: (... ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). أنت تعرف الدمع، إنما يسوقه قائدان، الدمع لا ينزل إلا إذا ساقهُ قائدان: القائد الأول: قائد الخوف. والقائد الثاني: قائد الشوق. الخائف باكٍ والمشتاق باك، كلاهما يبكي، فالخائف من الله عز وجل يبكي، والمشتاق إلى لقائه يبكي أيضاً، فالذي عمَّر قلبه بذكر الله عز وجل إذ قلبه يطوف حول العرش إنما يبكي: إما فرقاً وإما شوقاً، فلا يزال يبكي أبداً، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال هنا: (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). ومشكلتنا في هذا الزمن مشكلة همم، ولذلك نحن نحتاج إلى من يبرز، وأنا أهيب بالدعاة وطلاب العلم أن يعقدوا المجالس في سير السلف، وأن يقرءوا سير السلف، ويقفوا عند المثال التربوي في سير هؤلاء العظماء، ويعرضوها على الجماهير.

أبو بكر بن أبي داود    

أبو بكر بن أبي داود خرج يطلب أبا سعيد الأشج ، ويكتب عنه الحديث، واشترى ثلاثين مداً باقلاء، وكان معه أرغفة.. فإذا أراد أن يأكل ذهب شطر الفرات، فينقع الرغيف في الماء ثم يأكل والله المستعان! وفي هذا قصة طريفة وهي تعرف برغيف أبي نوح ، والشاعر يقول: يجوع ضيف أبي نو حٍ بكرةً وعشية فجاع بطني حتى وددت طعم المنية وجاءني برغيف قد أدرك الجاهلية الرغيف هذا مصنوع على حجر الطن وجاءني برغيف قد أدرك الجاهلية فقمت بالفأس كيما ... أدق منه شظية أي: يأكل، ولا يأتي باللقمة إلا بالفأس، فقام يأكل لقمة فثلم الفأس، طارت قطعة من الفأس، تثلم الفأس وانطاع مثل سهم الرمية خرجت اللقمة هذه كالقذيفة فشج رأسي ثلاثاً ودق مني ثنية أي: شج رأسه وكسر أسنانه، فهذا هو رغيف أبي نوح ، أشهر من أبي نوح ، وهو رغيف خالد الذكر! قلنا: إن ابن أبي داود خرج لطلب الحديث وكان معه أرغفة، فإذا أراد أن يأكل ذهب إلى شط الفرات فينقع الرغيف ساعة، ثم يأكل ويمضغ أربع حبات فول، وينطلق إلى أبي سعيد الأشج يطلب الحديث، فنفذ زاده، ولكنه كتب عن أبي سعيد ثلاثين ألف حديث. الله أكبر! ما هذه الهمم!! أبو بكر بن أبي داود هل تعلمون من أبوه؟ أبو داود صاحب السنن الشهيرة، وأحد الكتب الستة، والكتب الستة هي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة . الصحيحان: هما البخاري ومسلم. السنن الأربعة: أول هذه السنن مرتبة عند أهل العلم: سنن أبي داود؛ للثناء والذكر، وحسن التبويب.

جليبيب رضي الله عنه  

أيها المسلمون: هل أحدٌ منكم يعرف جليبيباً ؟ يعز علي أن يكون أغلب المسلمين لا يعرف من هو جليبيب !. روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوةً مع أصحابه، وبعد أن انقضت الغزوة، قال: هل تفقدون أحداً؟ قالوا: نعم. نفقد فلاناً وفلاناً. ثم قال: هل تفقدون أحداً؟ قالوا: نعم. نفقد فلاناً وفلاناً. ثم قال لهم: هل تفقدون أحداً؟ قالوا: لا. قال: ولكني أفقد جليبيباً فالْتَمِسُوه في القتلى، فالتَمَسُوه فإذا هو قد قتل سبعة وقتلوه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف عليه وقال: قتل سبعةً وقتلوه، هذا مني وأنا منه (سبع مرات)) وكما ورد في صحيح ابن حبان، سبع مرات وهو يقول: (هذا مني وأنا منه)، هذا جليبيب من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو منه، فسبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو! لكن في زمان الضعف ينبغي أن نظهر هؤلاء الذين يملكون الإعلام في العالم، وهم اليهود، والصحافة الضعيفة في البلاد التابعة لليهود تكون بوقاً وظلاً للصحافة القوية، فإعلام المسلمين إعلام يهودي يسير على نفس الخطة، والمهم -عندهم- رواج الصحيفة، لا يهم ما الذي ينشر فيها، فكل يومٍ يلمع جناة وشذاذ. وحتى في احتفالاتهم البدعية المنكرة يأتون بشخصيات فاسدة كما حدث في المعهد النموذجي لمدينة نصر -المعهد الأزهري- في يوم عيد الأم، والذي يحز في النفس أن يحتفل بها في المعاهد الأزهرية، في هذا اليوم أتوا بالأم المثالية في المعهد الأزهري، الأم المثالية، أما وجدوا أُماً محترمةً في هذا المجتمع يقدمونها للبنات والشباب إلا مثل هذه؟! أنا أذكر هذه النماذج لتحس بمعنى الغربة، فإلى متى هذا اللهو واللعب؟! وإلى متى هذا التغافل الذي نعيشه في بيوتنا وطوفان الفساد الكاسح يعلو أسرنا ومجتمعاتنا. إننا نحتاج إلى إظهار أمثال جليبيب رضي الله عنه، الرجل الذي كان نكرة في قومه؛ حتى أنه كما روى ابن حبان بنفس السند في صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ: أريد أن أخطب ابنتك. قال: نعم، ونُعمى عين، فقال صلى الله عليه وسلم: ولكن ليست لي. قال: إذاً: حتى أستشير أمها. فجاء إلى الأم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ابنتك. فقالت: نعم، ونعمى عين، قال لها: لا، ولكن ليس له. قالت: لمن إذاً؟ قال: لـجليبيب . قالت: لـجليبيب ! لا والله، قد جاءها فلانٌ وفلان، أنزوجها جليبيباً) رجل نكرة، لكنه عند الله معروف، وما يضر العبد أن يكون مجهولاً عند الناس لا يعرف إذا كان الله يعرفه، فمعرفته سبحانه هي التي تنفع العبد، وإذا نسي الله عبداً هلك ولو ذكره العالم أجمع. إن أويس القرني رحمه الله، وقد زكاه النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم قال: (خير التابعين رجلٌ يقال له: أويس). المهم أن أويس القرني لما جاء إلى عمر بن الخطاب وعرفه عمر، قال له: ادع لي -لأن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى أن من قابل أويساً فليطلب منه الدعاء- فقال له: أنت أولى أن تدعو لي، إنك حديث عهدٍ بسفر صالح، فدعا له، فقال له عمر : إلى أين تتجه؟ قال: إلى مكان كذا. قال عمر : تحب أن أكتب لك إلى عاملها -أكتب له رسالة يهتم بك، وينزلك المنزل السهل الجميل- فقال له: لأن أكون في غبراء الناس أحب إلي. أي: دعني من الشهرة، أنا لو تهت في الناس هذا أحب إلي، فما زال في هذا البلد، ففطن الناس إليه فجاءوا جماعات يطلبون منه الدعوات كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام وأوصى، فلما علم أن الناس فطنوا له؛ هام على وجهه في الأرض! لا يضر أن يجهلك الناس وأن يجهلوا قدرك إذا كان الله عز وجل يعرفك. فـجليبيب لم يكن له ذكر، ولم يكن معروفاً، فقالت المرأة: ومن جليبيب ؟ قد طلبها فلانٌ وفلان، فتكلمت الفتاة المؤمنة من وراء الستر، وقالت: ويحكم! أتردان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! اسمعن يا معاشر النساء! ويحكم: أتردان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. اجعلوا أمري لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجت جليبيباً ، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء جميل رقيق جامع، قال: (اللهم صبّ عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً) ؛ لكن جليبيباً خرج إلى الغزوة بعد وقتٍ قصير من الزواج ومات، قال ثابت : فما وجدنا امرأةً أنفق منها في المدينة. كل يريد الظفر، كلٌ يريد أن يتزوجها ويحظى بالعيش معها. هكذا إذا أردنا الاحتجاج أورثنا أمثال هؤلاء، فليس عندنا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نكرة على الإطلاق، فكلهم أعلام أفذاذ كالجبال الشامخة، إن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دخل على زياد بن أبيه وكان رجلاً غشوماً، فقال له: يا بني! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن شر الرعاة الحطمة، فلا تكن منهم) شر الرعاة الحطمة، عندما يكون راعي غنم، وليس عنده حلم، فكلما يصطاد غنمة يضربها، إذاً: سيموت الغنم ولن تبقى معه غنمة، فشر الرعاة الذي يحطم، الغشيم، الذي ليس عنده حلم، فيقول له: (إياك أن تكون منهم) فرد زياد بن أبيه عليه فقال له: اجلس، فإنك من نخالة أصحاب محمد. أي: أنت لست من الأكابر، أنت من الحثالة، من الذين لا يزنون شيئاً، فرد عليه عائد بن عمرو الصحابي الجليل رضي الله عنه فقال له: أوفيهم نخالة؟ لا. والله إنما كانت النخالة في غيرهم وبعدهم -أي: يعرض به- وأما هؤلاء فليس فيهم نخالة على الإطلاق. فهذا النمط هو الذي نحتج به؛ لكن أحياناً نذكر بعض نماذج من الكفرة؛ من باب استثارة الهمم، لما ترى الرجل الدون الحقير، الذي يقاتل للتراب يرتفع وأنت صاحب دعوة الحق، ما زلت ضعيف الهمة.. فهذا يحفزك. هناك ولاية من ولايات أمريكا اسمها ولاية هيوبتن، وهيوبتن اسم رجل، هذا الرجل خطب في البرلمان الأمريكي خطبة بليغة جداً خطف بها قلوب الأعضاء، وبعد انتهاء الخطبة قال له الرئيس الأمريكي: إن ولاية هيوبتن التابعة لكندا ولاية حيوية وخطيرة، ونحن نريد أن نضمها إلى أمريكا، وقد ابتعثتك لهذه المهمة. فقال له: اعطني مالاً ورجالاً وآتيك بها. قال له: لو كان عندي مالٌ ورجال ما انتدبتك، ولكن تذهب وحدك بلا دولار واحد سوى الرجل الذي سيعبر بك النهر إلى هناك. وذهب الرجل الذي عنده ولاء أرضي، وكان عظيم الخطابة، فالمتهم الذي لبسته كل أسباب الإدانة يخرجه بريئاً منها، ومضى على هذا، وأخذ الصيت العظيم العريق العالي في البلد، بعدما كان له هذا الصيت بدأ يخاطب الناس عن ضرورة الاستقلال عن كندا، واستطاع بعد فترة من الزمن وبعد قناعة السكان أن يحقق طموحه، فاستقل أهل الولاية عن الوطن الأم وانضموا إلى أمريكا، ورجع الرجل إلى بلده بهذه الولاية بغير رصاصة واحدة، فأبقوا اسمه على أشهر مدينة في أمريكا: ولاية النصر؛ تخليداً لذكراه. وهذا الرجل حقير، ليس له قيمة، لكنه استطاع أن يصل إلى مراده بالدجل والباطل، وفعل الذي يريد، ونحن معنا كتاب الحق، الكتاب المهيمن على كل الكتب، الكتاب الوحيد الذي ليس فيه نقطة واحدة ليست منه؛ لأن الله عز وجل هو الذي تولى حفظه بنفسه، لو وكل حفظ الكتاب إلينا لبدلنا وحرفنا مثل اليهود والنصارى، لكنه حفظه تبارك وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] معنا هذا الكتاب العظيم وعجزنا عن استرداد بيت المقدس الذي اغتصبه اليهود. وهذا كله بسبب ضعف الهمم والعزائم. فعلو الهمة هو وقود استمرار في عقيدة الولاء والبراء، الضريبة التي تدفعها كل يوم لولائك لله ورسوله، وبراءتك من أعداء الله ورسوله، ولا يصبر عليها إلا ذو همة. قال بعض العلماء: إن القلوب جوالة: قلب يطوف حول العرش، وقلبٌ يطوف حول الحش. وأغلب أغنياء الأرض قلوبهم من النوع الثاني، قلوبهم تطوف حول الحُش، فكل حياتهم أكل وشرب، ونزه وفسح، وقضاء للشهوات، فهذا الشاب شبابه الذي ذهب ولا قيمة له حتى في الدنيا، وكانت هذه الجنازة المهيبة التي تذكرنا بجنازة تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العظمى، والجنازة المهيبة هذه للمفاخرة، وهو لا قيمة له حتى في الدنيا، بل على العكس، خرجت الصحف تتكلم وتقول: أصحاب الدماء الزرقاء كيف لهم أن يمسوا بشرة الأميرات؟ وهم يقولون: إن العرب جرب. ما هي حياة هذا الشاب؟ يقولون: كان هوايته اقتناء النساء مثل الميدالية، كما أنك تحب أن تقتني ميدالية أو كتاباً، وتقتني شيئاً نفيساً، فهذا كانت حياته اقتناء النساء الجميلات، والسهر في الملاهي الليلية. أبوه ثري جداً، رجل في غناء فاحش إلى أبعد الحدود، له الطائرات الخاصة، وكراج كامل، كراج كبير جداً، كل الكراج هذا عبارة عن سيارات حديثة في العالم، سيارات لا يقدر أن يقتنيها أحد، يركب كل سيارة في السنة مرة، وهذا مثل أحذية العندليب الأسمر التي هي إلى حد الآن موجودة ومعروفة، وأنا لا أعلم لماذا احتفظوا بها حتى الآن! وكلما تأتي الذكرى السنوية يقومون بأخذ لقطة للأحذية، ما الأمر؟! الأحذية هينة أو ماذا؟ يقولون لك: الفقيد والمأسوف على شبابه كان يلبس سبعة عشر جزمة..! أرأيت عقول هؤلاء الناس؟! فهذا لديه مليارات.. ما الذي خرج به وقد صار رهين قبر منبوذ في ضاحية من ضواحي لندن؟! ما قيمة دنياه كلها، وما قيمة ما فعل؟ لا قيمة لها على الإطلاق: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62]، ما أحسن هذه الآية! تهز القلب هزاً: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى

أهمية نشر سير السلف في المجتمعات            

فنشر سير السلف الصالح في مجتمعات المسلمين عودة إلى الفضيلة، وعودة إلى علو الهمة مرةً أخرى؛ لأن بعض الناس قد يرى أن الناس الكبار بدءاً من الرسل والصحابة مستواهم عال، فنحن أين وهم أين! فيصده هذا البون الشاسع عن التأسي، وأنا لما أتيت بسير العلماء الذين هم أقل من القرون الأولى -أقل من الصحابة في المنزلة- وقد فعلوا مثل هذا، ليتحفز الإنسان على أن يكون أمثال هؤلاء. إذاً: أهم باب في علو الهمة: أن تطالع سير السلف بدءاً من الصحابة رضي الله عنهم إلى العلماء العاملين. إذاً: علو الهمة لا بد أن تتسلح به وأنت ماضٍ في مسألة الولاء والبراء، وهذه مسألة خطيرة، نعم يطول الكلام بنا فيها، لكن حياتنا كلها مرهونة بها. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. ......