قصة عاشوراء المأساة المتجددة

قصة عاشوراء المأساة المتجددة

الكاتب : طارق بن محمد الطواري

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين..

وبعد:

في مثل هذه الأيام من كل عام يضطر الواحد منا أن يكتب ويخطب ويجدد بعث التاريخ وتحريك الراكد للحديث عن عاشوراء، نعم قد يحتاج الناس إلى تأكيد وتذكير لكننا لا نحتاج إلى تنكيد وتكدير فثمة عدّة وقفات مع عاشوراء.

أولاً: يقصد بعاشوراء اليوم العاشر من شهر الله الحرام المحرم، وهو إحدى أربعة أشهر محرمة ثلاثة سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب (الفرد أو الأصم)، وقد ورد في ذلك حديث البخاري عن أبي بكرة - رضي الله عنه -.

ثانياً: لهذه الأشهر مكانة عظيمة إذ تزداد حرمة المعاصي وتزاد أجور الحسنات، قال ابن عباس في قوله - تعالى –فلا تظلموا فيهن أنفسكم، قال: في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلن حراماً وعظم حرمتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم، قال قتادة الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها وإن كان الظلم على كل حال عظيماً ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء.

ثالثاً: إن من أهم أعمال هذا الشهر الصوم؛ لحديث مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) قال الملا علي القاري: المراد جميع شهر المحرم أي الإكثار منه من الصيام، ولا التفات لما قاله بعض من لا فقه له من أنه لا يشرع صوم المحرم، وأن النبي لم يصمه - صلى الله عليه وسلم - فهذا مصادم للنص، وقد ثبت عن عائشة قولها في صوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لشهر الله المحرم فاتفق قوله وفعله - صلى الله عليه وسلم -.

رابعاً: عاشوراء: لا ارتباط بين مقتل الحسين - رضي الله عنه - وأرضاه ويوم عاشوراء، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم هذا اليوم من أيام مكة كما جاء في رواية الإمام أحمد (وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً)، قالت عائشة: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، قال القرطبي: كانت قريش يصومونه استناداً في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصومه في مكة قبل الهجرة، وكانت اليهود في المدينة تتخذ هذا اليوم يوم عيد وتعظمه، وجاء في رواية كان أهل خيبر يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشاراتهم فأمر النبي بصيامه) فجاري مخالفة اليهود، بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرى صوم هذا اليوم كما قال ابن عباس: ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)، ويستحب صوم التاسع والعاشر جمعاً لأن النبي صام العاشر، ونوى صيام التاسع لكنه توفى، وصوم التاسع فيه مخالفة لليهود في اقتصارهم على العاشر، وفيه الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال، فيكون في العدد هو العاشر.

خامساً: لم يرد في السنة النبوية ما يفيد الاحتفال بيوم عاشوراء ولا توزيع الطعام فيه، وتزداد الحرمة إن ذبح الطعام على اسم الحسين كما يفعل الرافضة، ويزعمون أنه لا إيمان لمن لم يكن هواه حسينياَ، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك في حديث صحيح عن النبي، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي ولا الصحابة ولا التابعين لا صحيحاً ولا ضعيفاً)، ثم قال - رحمه الله - عما يقع في هذا اليوم من الطوائف بسبب مقتل الحسين: (فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر مولاته وموالاة أهل بيته وتتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزّي بعزاء الجاهلية، وإنشاد قصائد الحزن ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب وإثارة الشحناء والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوصل بذلك إلى سب السابقين الأولين وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام)، قال ابن الحاج: ومن بدع هذا اليوم تخصيصه بالذبح.

سادساً: مقتل الحسين - رضي الله عنه – وأرضاه: نعم مقتل الحسين في كربلاء في مشهد دموي كتب فيه النصر والخلود للحسين، والخزي والعار على من قتله لكن لمقتله دروس:

 

أولها: إنه خرج على الخلافة ولو لم يسلم لهم بالبيعة بعد أن استقر الحكم لمعاوية - رضي الله عنه - كخليفة في عام الجامعة لمدة عشرين سنة ثم صار الحكم ليزيد ابنه بالوصاية، وحمل الناس على ذلك وكان ملكاً جبرياً فبايعوه وخرج الحسين - رضي الله عنه - معلناً بطلان هذا العمل بعد أن أخذ له البيعة من أهل العراق ابن عمه مسلم بن عقيل ابن أبي طالب ثم اكتشف أمره، وقتله عبيد الله بن زياد، ونصح ابن عمر وابن الزبير وابن عباس الحسين - رضي الله عنه - بعدم الخروج بل أُخبر بحديث الرسول بأن دمه سيسيل شهيداً، فقال: امشي لقدري فكتبت له الشهادة، ولحق بالسادة الأوائل حمزة وعمر وعثمان وعلي ممن استشهد قبله، وانتقم الله من قاتلي الحسين فقتلوا وقطعت رؤوسهم، وهذه سنة الله في الخلق: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم فلا يتخذ هذا اليوم يوم حزن ومأتم وسب وشتم بل الأولى الدعاء لهم والترضي عنهم وأن كتبت لهم هذه الميتة الشريفة كما قال ضرار بن الخطاب وقد كان مشركاً يوم أحد لما سأله الأنصار أيهم كانوا عليكم أشد الأوس أم الخزرج؟ فقال: لا أدري من أوسكم من خزرجكم، لكني عجلت بعشرة منهم إلى الجنة) كما أن في خروج الحسين عبرة وعظة للخارجين والراغبين والمفكرين في الخروج على السلطان، وأن الملك عقيم لا يعرف أباً ولا أماً ولا أخاً ولا صديقاً، وهذا قول عبد الملك بن مروان، لذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم – للأنصار: (ستجدون بعد أثره فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، فالصبر الصبر والاعتبار والاحتساب واعملوا بقوله - تعالى -: ولنصبرن على ما آذيتمون، وعلى الإنسان أن يقض ما بقي من حياته بالنصح والتذكير والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وعمل البر والخير والإحسان إلى الخلق والصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.